تقومُ الثقافاتُ العريقةُ على قواعدَ متينةٍ، تربطُ تاريخَها بفكرِها، وواقعَها بحضارتِها، فيغدو التأسيس فيها فعلًا واعيًا، لا مجرّد بداية زمنية. ومن هذا التصور، يُقرأ شعار يوم التأسيس السعودي بوصفه نصًّا بصريًّا مكتمل البنية، لا مجموعة رموز متجاورة، (...)
في كل مرحلة من مراحل العمر نواجه بعض الأشياء الناقصة، والتي بالرغم من اختلاف حجمها ووقعها واحتياجنا لها إلا أنها لا تعبر مرور الكرام بل تظل كمنبهٍ تعيس يعكر صفونا، ورغم أن الحياة لا تتوقف بسببها إلا أنها تؤذينا وتسكب فينا مشاعر بائسة، ربما لأنها (...)
نغمةٌ صامتةٌ تُداعِبُ أرواحَنا قبل أن تُعانِقَ أبصارَنا، تأتي مع كلِّ انحناءةِ حرفٍ واستقامةِ هدف.
هكذا يتقدّم الخط العربي إلى الوجدان، بوصفه تجربةً شعورية تسبق القراءة، وتفتح في النفس مسار طمأنينة هادئة. فالحرف يكتب بالحبر لكنه في الحقيقة كيانٌ (...)
ليس كل تماسٍّ إدراكًا، ولا كل اقترابٍ وصولًا. فاليد قد تبلغ الصفحة، ولا يبلغ القلب الخطاب. ومن هنا يبدأ الجواب عن سؤال خُتم به الجزء الأول، من يملك قابلية النفاذ والاختراق؟
بهذا السؤال يتقدّم النظر إلى الموضع الذي يَرِد فيه لفظ المسّ متصلًا بالقرآن (...)
بين الذاكرة والنسيان، نقع في مأزقٍ كبير، وفي الحقيقة لم نعد نعرف أيهما أصح وأيهما الذي يجدر بنا إتباعه، لا نعرف هل نحن بحاجه إلى ذاكرة متيقظة تحجب عنَّا ما قد يتكرر من أحداث، أم أننا بحاجة إلى النسيان لنتجاوز الكثير من الحكايات والعديد من الخيبات، (...)
ثَمّة أفعال تكتفي بالمجاورة، وأخرى تأخذ طريقها إلى النفاذ لتترك أثرًا. ومن هذا الفارق الدقيق تتحدد دلالة لفظ (المسّ) في القرآن الكريم، بوصفه فعلًا يُحدث إصابة وتأثيرًا.
فالمتأمل في موارد المسّ في القرآن يلحظ أن اللفظ لا يُستعمل عندما يكون الفعل (...)
بعد كل تلك الحكايات العتيقة عن أدب الطائف، وعن شعراء عكاظ، وعن أدباء مدينة الورد، عاد النبض الثقافي للتوهج مجددًا حاملًا معه مواسم من الضوء، لم تكن مدينة الطائف حديثة عهدٍ بالثقافة، ولم تكن غائبة عن المشهد الأدبي، ولم تتوان عن التفاعل مع كل مايرتبط (...)
عندما نقرأ قول الله عزّ وجل: (وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) النحل 15، تنبثق بارقة تأمّل تقودنا إلى تساؤلٍ مشروع: لماذا اختير «الميد» ولم يُختر «الميل»؟ وما علاقة كروية الأرض بهذا الاختيار الدقيق الذي ينصف الحركة بوصفها، (...)
دائمًا للأشياء الأولى وهجها وعذوبتها ونعيمها، فهي لم تتجاوزنا بصمت بل سكبت علينا ضجيجًا من العاطفة والحنين والأمان، الأشياء الأولى تلتصق بالذاكرة، تتربص بالشعور، وتعانق الأشياء بعمق، البيت الأول لم يكن جدرانًا صامتة، والطريق الأول لم يكن مسافة، (...)
اعتماد الرابع من يناير يومًا للاحتفاء بلغة برايل يقتضي، قبل أي شيء، تصحيح تصور شائع؛ فبرايل ليست لغة مستقلة بالمعنى اللساني، وإنما هي نظام ترميز كتابي (شفرة) يُستخدم لتمثيل اللغات الطبيعية المختلفة، ومنها العربية، عبر وسيط حسي بديل هو اللمس. فهي لا (...)
يُعدّ لفظ الجاهلية من المصطلحات القرآنية ذات الثقل الدلالي؛ إذ لا يقف عند حدود وصف مرحلة زمنية سبقت بعثة النبي (ص)، بل يتجاوزها إلى توصيف حالة فكرية وثقافية وأخلاقية تعارض مقاصد الوحي. وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم أربع مرات، في مواضع مختلفة، (...)
يُعد التعلم مدى الحياة أحد المبادئ الأساسية في التنمية البشرية، فهو يعتبر امتدادًا للعملية التعليمية التي بدأت منذ الطفولة وحتى سن الشيخوخة. ومن خلال المنظور الأنثروبولوجي، التعلم لا يتوقف عند سن معين أو مرحلة دراسية محددة، أو ظروف قهرية، لأنه عملية (...)
مع انخفاض درجات الحرارة في فصل الشتاء، يزداد انتشار عدد من الأمراض، خاصة تلك التي تصيب الجهاز التنفسي. هذا الموسم تحديدًا، لوحظ ازدياد في شدة الأعراض وطول مدة المرض لدى فئات مختلفة، ما يستدعي التعامل مع أمراض الشتاء بوعي طبي بعيدًا عن التهوين أو (...)
أمتطي صهوة جواد القلم لا لأكتب عن مكانة العربية في يومها العالمي، بل لأنقل تجربة عايشتها وزادت من يقيني بأن العربية لغة تقبع في قلب العالم.
لم يجُل في خلدي يومًا أن تكون اللغة العربية مقصدًا ورغبة عند غير العرب لذاتها، كنت أظن أن من يتعلمها في أصقاع (...)
في قصة موسى عليه السلام، تقف اللغة القرآنية عند مشاهد الدهشة والرهبة وقفاتٍ دقيقة تُدهش المتأمل وتُربّي الذوق البلاغي. ومن أعجب تلك الوقفات اختيار القرآن للفعل «تَلْقَف» في قوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) الأعراف 117، لفظة قصيرة، (...)
يعد أدب الرحلات من أهم الفنون الحية التي ترافق الإنسان في بحثه عن العلم والمعنى، فهو يجمع بين الطابع السردي والتوثيقي، حيث يلتقي فيه الاكتشاف بالكتابة، والوصف بالحكاية، والواقع بالتأمل، ويُعد أحد أكثر الأجناس الأدبية ثراءً واتساعًا لما يحتويه من (...)
تزدحم لغتنا اليوم باستعمالاتٍ تُقال على عجل، فيغيب عنها التمييز الدقيق بين ألفاظٍ ظنّ الناس أنها سواء. ومن أكثر الأخطاء شيوعًا قولهم في المكاتبات والرسائل: "بعثت لك رسالة"، أو "سأبعث لك بريدًا" ومع أن اللفظ مألوف، إلا أن الذائقة العربية السليمة (...)
بيت من الشعر يحكي لنا عن هذا النوع من القلوب:
داويتُ جرحًا فاستثار بقيتي
ما قلت لي إن الجراحَ تثارُ
من لم يكنْ مستأسدًا بجراحِه
داستْهُ قهرًا حينما ينهارُ
من السهل أن نتحدث عن القلوب المكسورة، فهي تُعلن وجعها بوضوح، لكنّ القلوب المثقوبة تسير بيننا (...)
في زمن التكنولوجيا، وتغيُر العادات القرائية تتكرر الأسئلة عن مصير الكتب الورقية أمام هذا العالم الرقمي، فهل سيمحوها الاختزال المعرفي الذي نعيشه؟ هل ستتحول يومًا ما إلى قطع أثرية تُعرض في المتاحف فقط؟ وهل ستصمد أمام مهنية الأجهزة؟ في الحقيقة هي أسئلة (...)
بيت من الشعر يحكي لنا عن هذا النوع من القلوب:
داويتُ جرحًا فاستثار بقيتي
ما قلت لي إن الجراحَ تثارُ
من لم يكنْ مستأسدًا بجراحِه
داستْهُ قهرًا حينما ينهارُ
من السهل أن نتحدث عن القلوب المكسورة، فهي تُعلن وجعها بوضوح، لكنّ القلوب المثقوبة تسير بيننا (...)
لم يكن مشري معروفًا لديّ قبل أمسية (ذاكرة القرى) التي قادني إليها المشهد الثقافي بحراكه النوعي في وقتنا الحالي، أسرتني فلسفته الفكرية فأخذني قلمي للكتابة عنه.
حين يمرّ إنسان في الحياة فيترك أثرًا أعمق من خطاه، نعلم أننا أمام روح استثنائية عاشت (...)
بعد التحولات النوعية الكبيرة التي طرأت على المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة نستطيع القول إن الثقافة السعودية في أزهى مراحلها بعد أن اتكأت على رؤية عظيمة أشادت بتلك النقلة ودعمتها، وجعلتها إحدى ركائز التنمية الشاملة، فما (...)
يخيَّل إلى بعض الناس أن قارعة الطريق هي جانبها البعيد، أو طرفها الموحش الذي لا يمرّ به أحد. فيقال: تركه في قارعة الطريق، يريدون بذلك أنه نبذه في العراء أو ألقاه على الهامش. غير أنّ اللغة - بصدقها الدقيق وميزانها العادل - تأبى هذا الفهم، وتعيد (...)
عند كل سقوط أو خسارة أو خيبة تتصاعد أبخرة الحسرة، ويتكرر السؤال الأزلي ماذا لو لم نفعل؟ وماذا لو عاد الزمن؟ وماذا لو اتخذنا القرار الصائب؟ نتساءل رغم يقيننا بهشاشة السؤال، ومرارة المواجهة، وقناعتنا الداخلية بأنه لا شيء يعود، ولكن النفس البشرية جُبلت (...)
يُدهَش الباحث في فقه اللغة حين يكتشف أن بعض الألفاظ، على تفرّق اللغات وتباعد العصور، تتلاقى في جوهرها الدلالي، وكأنها تصدر عن معينٍ واحد من المعنى الإنساني المشترك، ومن أبرز هذه الألفاظ كلمة (طُوبَى)، التي وردت في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا (...)