بعض الألفاظ؛ تولد في حيّزٍ لغوي، ثم تمضي لتستقرّ في وعيٍ عام، حتى تُشكِّل عنوانًا لمرحلة. في ظل الأحداث الراهنة يتناهى إلى أسماعنا لفظ التصدي، فنسمع كلمة تصدت قوات الأمن لعددٍ من الصواريخ أو من المسيرات، فماذا يحمل هذا الفعل في بنيته اللغوية؟ وما (...)
لماذا نقول: نَفَقَتِ الطيورُ أو المواشي إذا انتهى عمرها، ولا نقول دائمًا: ماتت أو تُوُفِّيَت؟
سؤالٌ يبدو في ظاهره لغويًا، غير أنه يفتح بابًا إلى حسٍّ أعمق، حيث لا تقف الكلمة عند حدود المعنى، وإنما تتجاوزه إلى ما يليق بالمقام.
في هذه المساحة من (...)
لطالما ارتبطت الثقافة بالهدوء والتأمل والتفكر، بكتاب يُقرأ على مهل، أو لوحة تُدرك بالتدبر، أو زيارة مترفة للمعارض الفنية والثقافية، لكن مع التحولات الزمنية المتسارعة، تغيرت طريقة استهلاكنا للفن، أصبحنا نمرّ على المحتوى مرورًا سريعًا، نكتفي باختزال (...)
في عصر تتسارع فيه منصات التواصل الاجتماعي وتتصاعد فيه موجات "الترند" بشكل يومي، لم يعد الأطفال والمراهقون مجرد متابعين، بل أصبحوا جزءًا من هذه الديناميكية الرقمية المتغيرة. فالترند لم يعد مجرد محتوى عابر، بل تحول إلى قوة مؤثرة في تشكيل السلوك (...)
ثَمّة نصوص لا تدخل عليك دفعةً واحدة، تكتفي بأن تفتح نافذة صغيرة، وتترك لك اتّساع النظر.
إنه نصّ من نوع لا يستطيل، لكنه يُحسن اختيار لحظة التوقّف. يعلم أن المعنى لا يحتاج مساحةً واسعة بقدر ما يحتاج موضعًا دقيقًا.
في هذا الفنّ، تُكتب الجملة وهي واعية (...)
مع انقضاء أيام العيد، وانطفاء أضواء الزيارات واللقاءات، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام شعور غريب من الهدوء المبالغ فيه، وربما شيء من الحزن غير المبرر، ولو تتبعنا الأمر سنجد أن الانتقال الحاد من «الامتلاء الاجتماعي» إلى «الهدوء» يخلق فجوة نفسية، (...)
أحيانًا تفتح مفردةٌ واحدة في القرآن أفقًا واسعًا من التأمل اللغوي؛ فالتعبير القرآني لا يجيء على سبيل الاستبدال، بل يحمل معنًى مخصوصًا لا يقوم به غيره.
ومن المواضع التي تستوقف التأمل قول الله تعالى على لسان مريم عليها السلام: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى (...)
في الذاكرة الإنسانية لحظات لا يكتفي الزمن بمرورها، بل يحرص على أن يعيدها كل عام، كأنما يمنح الإنسان فرصة متجددة لاستعادة الفرح، ومن هنا يبدو لفظ العيد في العربية كلمة مشبعة بالدلالة؛ إذ يرتبط أصلها اللغوي بالفعل عاد، أي رجع وتكرر. ولهذا فسّر (...)
المسافة بين العبد وربه ليست مسافة طريق، ولا مسافة زمان، ولا حتى مسافة شعور؛ إنها -في حقيقتها القرآنية- مسافة صفر.
حين يقرر النص القرآني هذا القرب، فإنه يقدمه بصيغة علميّة دقيقة تبدأ بالفعل الخَلقي: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ) ق:16، فالخالق (...)
«الإعجاز القرآني وأثره
على مقاصد التنزيل الحكيم»
ثمة كتبٍ نبدؤها من الصفحة الأولى، وأخرى تبدأ معنا قبل الشروع في القراءة، كتبٌ تصلنا محمولةً بمعنى يسبق الحبر، وبقصةٍ تُمهّد للفكرة، فيصبح التلقي فعلَ وفاءٍ بقدر ما هو فعل معرفة.
هكذا كان لقائي بكتاب (...)
تقومُ الثقافاتُ العريقةُ على قواعدَ متينةٍ، تربطُ تاريخَها بفكرِها، وواقعَها بحضارتِها، فيغدو التأسيس فيها فعلًا واعيًا، لا مجرّد بداية زمنية. ومن هذا التصور، يُقرأ شعار يوم التأسيس السعودي بوصفه نصًّا بصريًّا مكتمل البنية، لا مجموعة رموز متجاورة، (...)
في كل مرحلة من مراحل العمر نواجه بعض الأشياء الناقصة، والتي بالرغم من اختلاف حجمها ووقعها واحتياجنا لها إلا أنها لا تعبر مرور الكرام بل تظل كمنبهٍ تعيس يعكر صفونا، ورغم أن الحياة لا تتوقف بسببها إلا أنها تؤذينا وتسكب فينا مشاعر بائسة، ربما لأنها (...)
نغمةٌ صامتةٌ تُداعِبُ أرواحَنا قبل أن تُعانِقَ أبصارَنا، تأتي مع كلِّ انحناءةِ حرفٍ واستقامةِ هدف.
هكذا يتقدّم الخط العربي إلى الوجدان، بوصفه تجربةً شعورية تسبق القراءة، وتفتح في النفس مسار طمأنينة هادئة. فالحرف يكتب بالحبر لكنه في الحقيقة كيانٌ (...)
ليس كل تماسٍّ إدراكًا، ولا كل اقترابٍ وصولًا. فاليد قد تبلغ الصفحة، ولا يبلغ القلب الخطاب. ومن هنا يبدأ الجواب عن سؤال خُتم به الجزء الأول، من يملك قابلية النفاذ والاختراق؟
بهذا السؤال يتقدّم النظر إلى الموضع الذي يَرِد فيه لفظ المسّ متصلًا بالقرآن (...)
بين الذاكرة والنسيان، نقع في مأزقٍ كبير، وفي الحقيقة لم نعد نعرف أيهما أصح وأيهما الذي يجدر بنا إتباعه، لا نعرف هل نحن بحاجه إلى ذاكرة متيقظة تحجب عنَّا ما قد يتكرر من أحداث، أم أننا بحاجة إلى النسيان لنتجاوز الكثير من الحكايات والعديد من الخيبات، (...)
ثَمّة أفعال تكتفي بالمجاورة، وأخرى تأخذ طريقها إلى النفاذ لتترك أثرًا. ومن هذا الفارق الدقيق تتحدد دلالة لفظ (المسّ) في القرآن الكريم، بوصفه فعلًا يُحدث إصابة وتأثيرًا.
فالمتأمل في موارد المسّ في القرآن يلحظ أن اللفظ لا يُستعمل عندما يكون الفعل (...)
بعد كل تلك الحكايات العتيقة عن أدب الطائف، وعن شعراء عكاظ، وعن أدباء مدينة الورد، عاد النبض الثقافي للتوهج مجددًا حاملًا معه مواسم من الضوء، لم تكن مدينة الطائف حديثة عهدٍ بالثقافة، ولم تكن غائبة عن المشهد الأدبي، ولم تتوان عن التفاعل مع كل مايرتبط (...)
عندما نقرأ قول الله عزّ وجل: (وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) النحل 15، تنبثق بارقة تأمّل تقودنا إلى تساؤلٍ مشروع: لماذا اختير «الميد» ولم يُختر «الميل»؟ وما علاقة كروية الأرض بهذا الاختيار الدقيق الذي ينصف الحركة بوصفها، (...)
دائمًا للأشياء الأولى وهجها وعذوبتها ونعيمها، فهي لم تتجاوزنا بصمت بل سكبت علينا ضجيجًا من العاطفة والحنين والأمان، الأشياء الأولى تلتصق بالذاكرة، تتربص بالشعور، وتعانق الأشياء بعمق، البيت الأول لم يكن جدرانًا صامتة، والطريق الأول لم يكن مسافة، (...)
اعتماد الرابع من يناير يومًا للاحتفاء بلغة برايل يقتضي، قبل أي شيء، تصحيح تصور شائع؛ فبرايل ليست لغة مستقلة بالمعنى اللساني، وإنما هي نظام ترميز كتابي (شفرة) يُستخدم لتمثيل اللغات الطبيعية المختلفة، ومنها العربية، عبر وسيط حسي بديل هو اللمس. فهي لا (...)
يُعدّ لفظ الجاهلية من المصطلحات القرآنية ذات الثقل الدلالي؛ إذ لا يقف عند حدود وصف مرحلة زمنية سبقت بعثة النبي (ص)، بل يتجاوزها إلى توصيف حالة فكرية وثقافية وأخلاقية تعارض مقاصد الوحي. وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم أربع مرات، في مواضع مختلفة، (...)
يُعد التعلم مدى الحياة أحد المبادئ الأساسية في التنمية البشرية، فهو يعتبر امتدادًا للعملية التعليمية التي بدأت منذ الطفولة وحتى سن الشيخوخة. ومن خلال المنظور الأنثروبولوجي، التعلم لا يتوقف عند سن معين أو مرحلة دراسية محددة، أو ظروف قهرية، لأنه عملية (...)
مع انخفاض درجات الحرارة في فصل الشتاء، يزداد انتشار عدد من الأمراض، خاصة تلك التي تصيب الجهاز التنفسي. هذا الموسم تحديدًا، لوحظ ازدياد في شدة الأعراض وطول مدة المرض لدى فئات مختلفة، ما يستدعي التعامل مع أمراض الشتاء بوعي طبي بعيدًا عن التهوين أو (...)
أمتطي صهوة جواد القلم لا لأكتب عن مكانة العربية في يومها العالمي، بل لأنقل تجربة عايشتها وزادت من يقيني بأن العربية لغة تقبع في قلب العالم.
لم يجُل في خلدي يومًا أن تكون اللغة العربية مقصدًا ورغبة عند غير العرب لذاتها، كنت أظن أن من يتعلمها في أصقاع (...)
في قصة موسى عليه السلام، تقف اللغة القرآنية عند مشاهد الدهشة والرهبة وقفاتٍ دقيقة تُدهش المتأمل وتُربّي الذوق البلاغي. ومن أعجب تلك الوقفات اختيار القرآن للفعل «تَلْقَف» في قوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) الأعراف 117، لفظة قصيرة، (...)