بعض الألفاظ؛ تولد في حيّزٍ لغوي، ثم تمضي لتستقرّ في وعيٍ عام، حتى تُشكِّل عنوانًا لمرحلة. في ظل الأحداث الراهنة يتناهى إلى أسماعنا لفظ التصدي، فنسمع كلمة تصدت قوات الأمن لعددٍ من الصواريخ أو من المسيرات، فماذا يحمل هذا الفعل في بنيته اللغوية؟ وما (...)
لماذا نقول: نَفَقَتِ الطيورُ أو المواشي إذا انتهى عمرها، ولا نقول دائمًا: ماتت أو تُوُفِّيَت؟
سؤالٌ يبدو في ظاهره لغويًا، غير أنه يفتح بابًا إلى حسٍّ أعمق، حيث لا تقف الكلمة عند حدود المعنى، وإنما تتجاوزه إلى ما يليق بالمقام.
في هذه المساحة من (...)
ثَمّة نصوص لا تدخل عليك دفعةً واحدة، تكتفي بأن تفتح نافذة صغيرة، وتترك لك اتّساع النظر.
إنه نصّ من نوع لا يستطيل، لكنه يُحسن اختيار لحظة التوقّف. يعلم أن المعنى لا يحتاج مساحةً واسعة بقدر ما يحتاج موضعًا دقيقًا.
في هذا الفنّ، تُكتب الجملة وهي واعية (...)
أحيانًا تفتح مفردةٌ واحدة في القرآن أفقًا واسعًا من التأمل اللغوي؛ فالتعبير القرآني لا يجيء على سبيل الاستبدال، بل يحمل معنًى مخصوصًا لا يقوم به غيره.
ومن المواضع التي تستوقف التأمل قول الله تعالى على لسان مريم عليها السلام: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى (...)
في الذاكرة الإنسانية لحظات لا يكتفي الزمن بمرورها، بل يحرص على أن يعيدها كل عام، كأنما يمنح الإنسان فرصة متجددة لاستعادة الفرح، ومن هنا يبدو لفظ العيد في العربية كلمة مشبعة بالدلالة؛ إذ يرتبط أصلها اللغوي بالفعل عاد، أي رجع وتكرر. ولهذا فسّر (...)
المسافة بين العبد وربه ليست مسافة طريق، ولا مسافة زمان، ولا حتى مسافة شعور؛ إنها -في حقيقتها القرآنية- مسافة صفر.
حين يقرر النص القرآني هذا القرب، فإنه يقدمه بصيغة علميّة دقيقة تبدأ بالفعل الخَلقي: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ) ق:16، فالخالق (...)
«الإعجاز القرآني وأثره
على مقاصد التنزيل الحكيم»
ثمة كتبٍ نبدؤها من الصفحة الأولى، وأخرى تبدأ معنا قبل الشروع في القراءة، كتبٌ تصلنا محمولةً بمعنى يسبق الحبر، وبقصةٍ تُمهّد للفكرة، فيصبح التلقي فعلَ وفاءٍ بقدر ما هو فعل معرفة.
هكذا كان لقائي بكتاب (...)
تقومُ الثقافاتُ العريقةُ على قواعدَ متينةٍ، تربطُ تاريخَها بفكرِها، وواقعَها بحضارتِها، فيغدو التأسيس فيها فعلًا واعيًا، لا مجرّد بداية زمنية. ومن هذا التصور، يُقرأ شعار يوم التأسيس السعودي بوصفه نصًّا بصريًّا مكتمل البنية، لا مجموعة رموز متجاورة، (...)
نغمةٌ صامتةٌ تُداعِبُ أرواحَنا قبل أن تُعانِقَ أبصارَنا، تأتي مع كلِّ انحناءةِ حرفٍ واستقامةِ هدف.
هكذا يتقدّم الخط العربي إلى الوجدان، بوصفه تجربةً شعورية تسبق القراءة، وتفتح في النفس مسار طمأنينة هادئة. فالحرف يكتب بالحبر لكنه في الحقيقة كيانٌ (...)
ليس كل تماسٍّ إدراكًا، ولا كل اقترابٍ وصولًا. فاليد قد تبلغ الصفحة، ولا يبلغ القلب الخطاب. ومن هنا يبدأ الجواب عن سؤال خُتم به الجزء الأول، من يملك قابلية النفاذ والاختراق؟
بهذا السؤال يتقدّم النظر إلى الموضع الذي يَرِد فيه لفظ المسّ متصلًا بالقرآن (...)
ثَمّة أفعال تكتفي بالمجاورة، وأخرى تأخذ طريقها إلى النفاذ لتترك أثرًا. ومن هذا الفارق الدقيق تتحدد دلالة لفظ (المسّ) في القرآن الكريم، بوصفه فعلًا يُحدث إصابة وتأثيرًا.
فالمتأمل في موارد المسّ في القرآن يلحظ أن اللفظ لا يُستعمل عندما يكون الفعل (...)
عندما نقرأ قول الله عزّ وجل: (وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) النحل 15، تنبثق بارقة تأمّل تقودنا إلى تساؤلٍ مشروع: لماذا اختير «الميد» ولم يُختر «الميل»؟ وما علاقة كروية الأرض بهذا الاختيار الدقيق الذي ينصف الحركة بوصفها، (...)
اعتماد الرابع من يناير يومًا للاحتفاء بلغة برايل يقتضي، قبل أي شيء، تصحيح تصور شائع؛ فبرايل ليست لغة مستقلة بالمعنى اللساني، وإنما هي نظام ترميز كتابي (شفرة) يُستخدم لتمثيل اللغات الطبيعية المختلفة، ومنها العربية، عبر وسيط حسي بديل هو اللمس. فهي لا (...)
يُعدّ لفظ الجاهلية من المصطلحات القرآنية ذات الثقل الدلالي؛ إذ لا يقف عند حدود وصف مرحلة زمنية سبقت بعثة النبي (ص)، بل يتجاوزها إلى توصيف حالة فكرية وثقافية وأخلاقية تعارض مقاصد الوحي. وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم أربع مرات، في مواضع مختلفة، (...)
بيت من الشعر يحكي لنا عن هذا النوع من القلوب:
داويتُ جرحًا فاستثار بقيتي
ما قلت لي إن الجراحَ تثارُ
من لم يكنْ مستأسدًا بجراحِه
داستْهُ قهرًا حينما ينهارُ
من السهل أن نتحدث عن القلوب المكسورة، فهي تُعلن وجعها بوضوح، لكنّ القلوب المثقوبة تسير بيننا (...)
بيت من الشعر يحكي لنا عن هذا النوع من القلوب:
داويتُ جرحًا فاستثار بقيتي
ما قلت لي إن الجراحَ تثارُ
من لم يكنْ مستأسدًا بجراحِه
داستْهُ قهرًا حينما ينهارُ
من السهل أن نتحدث عن القلوب المكسورة، فهي تُعلن وجعها بوضوح، لكنّ القلوب المثقوبة تسير بيننا (...)
لم يكن مشري معروفًا لديّ قبل أمسية (ذاكرة القرى) التي قادني إليها المشهد الثقافي بحراكه النوعي في وقتنا الحالي، أسرتني فلسفته الفكرية فأخذني قلمي للكتابة عنه.
حين يمرّ إنسان في الحياة فيترك أثرًا أعمق من خطاه، نعلم أننا أمام روح استثنائية عاشت (...)
يخيَّل إلى بعض الناس أن قارعة الطريق هي جانبها البعيد، أو طرفها الموحش الذي لا يمرّ به أحد. فيقال: تركه في قارعة الطريق، يريدون بذلك أنه نبذه في العراء أو ألقاه على الهامش. غير أنّ اللغة - بصدقها الدقيق وميزانها العادل - تأبى هذا الفهم، وتعيد (...)
يُدهَش الباحث في فقه اللغة حين يكتشف أن بعض الألفاظ، على تفرّق اللغات وتباعد العصور، تتلاقى في جوهرها الدلالي، وكأنها تصدر عن معينٍ واحد من المعنى الإنساني المشترك، ومن أبرز هذه الألفاظ كلمة (طُوبَى)، التي وردت في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا (...)
اللغة العربية كائن حيّ، لا يقف عند حدٍّ واحد، إنما يتنفس عبر مستويات متدرجة، تبدأ من الفصحى العليا في نصوص الوحي، ولا تنتهي عند لهجات الناس في الأسواق والمجالس. هذا التدرج ليس ضعفًا في العربية، بل شاهدٌ على مرونتها وقدرتها على أن تحيا في كل زمان (...)
تُعَدُّ (كأن) من الأدوات العربية البليغة التي تتنوّع دلالاتها بحسب السياق، فهي في الأصل حرف مشبّه بالفعل يعمل عمل «إنَّ» فينصب الاسم ويرفع الخبر، غير أنّ دلالتها البلاغية تتجاوز هذا الجانب النحوي إلى معانٍ دقيقة تتراوح بين التشبيه وغلبة الظن.
أصل (...)
في كل صباحٍ من صباحات الوطن، تتلألأ الأرض كما لو أنها تُهدي أبناءها ومضًا من النور، ويعبق هواؤها بشذى لا يخطئه القلب قبل الحواس. وطنٌ على ومض الثرى يتضوع، جملة تختصر حكاية خمسةٍ وتسعين عامًا من المجد، تبدأ من صحراء مترامية الأطراف، وتبلغ عنان السماء (...)
تُعَدُّ كلمة «شكرًا» من أكثر الألفاظ تردادًا في التواصل الإنساني، وهي في حقيقتها ليست مجرّد تعبير آلي عن الامتنان، بل هي فعل لغويّ يحمل في طيّاته فلسفة عميقة تتعلق بالعلاقة بين الذات والآخر، وبين العطاء والاعتراف به. ولذا فإنّ البحث في الرد المناسب (...)
كما يتحتم على الإنسان أن يحافظ على لياقته الجسدية التي تعينه على الحركة، ولياقته النفسية التي تجمّل سلوكه واتزانه، كذلك عليه أن يعتني بلياقته اللغوية؛ تلك الملكة الخفية التي تمنحه القدرة على اختيار الكلمة في وقتها، ووضع العبارة في مقامها، فينجو بها (...)