«الإعجاز القرآني وأثره
على مقاصد التنزيل الحكيم»
ثمة كتبٍ نبدؤها من الصفحة الأولى، وأخرى تبدأ معنا قبل الشروع في القراءة، كتبٌ تصلنا محمولةً بمعنى يسبق الحبر، وبقصةٍ تُمهّد للفكرة، فيصبح التلقي فعلَ وفاءٍ بقدر ما هو فعل معرفة.
هكذا كان لقائي بكتاب (...)
تقومُ الثقافاتُ العريقةُ على قواعدَ متينةٍ، تربطُ تاريخَها بفكرِها، وواقعَها بحضارتِها، فيغدو التأسيس فيها فعلًا واعيًا، لا مجرّد بداية زمنية. ومن هذا التصور، يُقرأ شعار يوم التأسيس السعودي بوصفه نصًّا بصريًّا مكتمل البنية، لا مجموعة رموز متجاورة، (...)
نغمةٌ صامتةٌ تُداعِبُ أرواحَنا قبل أن تُعانِقَ أبصارَنا، تأتي مع كلِّ انحناءةِ حرفٍ واستقامةِ هدف.
هكذا يتقدّم الخط العربي إلى الوجدان، بوصفه تجربةً شعورية تسبق القراءة، وتفتح في النفس مسار طمأنينة هادئة. فالحرف يكتب بالحبر لكنه في الحقيقة كيانٌ (...)
ليس كل تماسٍّ إدراكًا، ولا كل اقترابٍ وصولًا. فاليد قد تبلغ الصفحة، ولا يبلغ القلب الخطاب. ومن هنا يبدأ الجواب عن سؤال خُتم به الجزء الأول، من يملك قابلية النفاذ والاختراق؟
بهذا السؤال يتقدّم النظر إلى الموضع الذي يَرِد فيه لفظ المسّ متصلًا بالقرآن (...)
ثَمّة أفعال تكتفي بالمجاورة، وأخرى تأخذ طريقها إلى النفاذ لتترك أثرًا. ومن هذا الفارق الدقيق تتحدد دلالة لفظ (المسّ) في القرآن الكريم، بوصفه فعلًا يُحدث إصابة وتأثيرًا.
فالمتأمل في موارد المسّ في القرآن يلحظ أن اللفظ لا يُستعمل عندما يكون الفعل (...)
عندما نقرأ قول الله عزّ وجل: (وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) النحل 15، تنبثق بارقة تأمّل تقودنا إلى تساؤلٍ مشروع: لماذا اختير «الميد» ولم يُختر «الميل»؟ وما علاقة كروية الأرض بهذا الاختيار الدقيق الذي ينصف الحركة بوصفها، (...)
اعتماد الرابع من يناير يومًا للاحتفاء بلغة برايل يقتضي، قبل أي شيء، تصحيح تصور شائع؛ فبرايل ليست لغة مستقلة بالمعنى اللساني، وإنما هي نظام ترميز كتابي (شفرة) يُستخدم لتمثيل اللغات الطبيعية المختلفة، ومنها العربية، عبر وسيط حسي بديل هو اللمس. فهي لا (...)
يُعدّ لفظ الجاهلية من المصطلحات القرآنية ذات الثقل الدلالي؛ إذ لا يقف عند حدود وصف مرحلة زمنية سبقت بعثة النبي (ص)، بل يتجاوزها إلى توصيف حالة فكرية وثقافية وأخلاقية تعارض مقاصد الوحي. وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم أربع مرات، في مواضع مختلفة، (...)
بيت من الشعر يحكي لنا عن هذا النوع من القلوب:
داويتُ جرحًا فاستثار بقيتي
ما قلت لي إن الجراحَ تثارُ
من لم يكنْ مستأسدًا بجراحِه
داستْهُ قهرًا حينما ينهارُ
من السهل أن نتحدث عن القلوب المكسورة، فهي تُعلن وجعها بوضوح، لكنّ القلوب المثقوبة تسير بيننا (...)
بيت من الشعر يحكي لنا عن هذا النوع من القلوب:
داويتُ جرحًا فاستثار بقيتي
ما قلت لي إن الجراحَ تثارُ
من لم يكنْ مستأسدًا بجراحِه
داستْهُ قهرًا حينما ينهارُ
من السهل أن نتحدث عن القلوب المكسورة، فهي تُعلن وجعها بوضوح، لكنّ القلوب المثقوبة تسير بيننا (...)
لم يكن مشري معروفًا لديّ قبل أمسية (ذاكرة القرى) التي قادني إليها المشهد الثقافي بحراكه النوعي في وقتنا الحالي، أسرتني فلسفته الفكرية فأخذني قلمي للكتابة عنه.
حين يمرّ إنسان في الحياة فيترك أثرًا أعمق من خطاه، نعلم أننا أمام روح استثنائية عاشت (...)
يخيَّل إلى بعض الناس أن قارعة الطريق هي جانبها البعيد، أو طرفها الموحش الذي لا يمرّ به أحد. فيقال: تركه في قارعة الطريق، يريدون بذلك أنه نبذه في العراء أو ألقاه على الهامش. غير أنّ اللغة - بصدقها الدقيق وميزانها العادل - تأبى هذا الفهم، وتعيد (...)
يُدهَش الباحث في فقه اللغة حين يكتشف أن بعض الألفاظ، على تفرّق اللغات وتباعد العصور، تتلاقى في جوهرها الدلالي، وكأنها تصدر عن معينٍ واحد من المعنى الإنساني المشترك، ومن أبرز هذه الألفاظ كلمة (طُوبَى)، التي وردت في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا (...)
اللغة العربية كائن حيّ، لا يقف عند حدٍّ واحد، إنما يتنفس عبر مستويات متدرجة، تبدأ من الفصحى العليا في نصوص الوحي، ولا تنتهي عند لهجات الناس في الأسواق والمجالس. هذا التدرج ليس ضعفًا في العربية، بل شاهدٌ على مرونتها وقدرتها على أن تحيا في كل زمان (...)
تُعَدُّ (كأن) من الأدوات العربية البليغة التي تتنوّع دلالاتها بحسب السياق، فهي في الأصل حرف مشبّه بالفعل يعمل عمل «إنَّ» فينصب الاسم ويرفع الخبر، غير أنّ دلالتها البلاغية تتجاوز هذا الجانب النحوي إلى معانٍ دقيقة تتراوح بين التشبيه وغلبة الظن.
أصل (...)
في كل صباحٍ من صباحات الوطن، تتلألأ الأرض كما لو أنها تُهدي أبناءها ومضًا من النور، ويعبق هواؤها بشذى لا يخطئه القلب قبل الحواس. وطنٌ على ومض الثرى يتضوع، جملة تختصر حكاية خمسةٍ وتسعين عامًا من المجد، تبدأ من صحراء مترامية الأطراف، وتبلغ عنان السماء (...)
تُعَدُّ كلمة «شكرًا» من أكثر الألفاظ تردادًا في التواصل الإنساني، وهي في حقيقتها ليست مجرّد تعبير آلي عن الامتنان، بل هي فعل لغويّ يحمل في طيّاته فلسفة عميقة تتعلق بالعلاقة بين الذات والآخر، وبين العطاء والاعتراف به. ولذا فإنّ البحث في الرد المناسب (...)
كما يتحتم على الإنسان أن يحافظ على لياقته الجسدية التي تعينه على الحركة، ولياقته النفسية التي تجمّل سلوكه واتزانه، كذلك عليه أن يعتني بلياقته اللغوية؛ تلك الملكة الخفية التي تمنحه القدرة على اختيار الكلمة في وقتها، ووضع العبارة في مقامها، فينجو بها (...)
في زاوية اللغة نحلق مع الأدب قليلاً فكلاهما عضيد الآخر، مع ثورة الثقافة المتقدة واكتساح الأدب بمجالاته المتنوعة يقفز هذا السؤال عالياً: ماذا يقدم الأدب للإنسان؟ نقول إن الأدب ليس ترفًا ذهنيًّا ولا وسيلةً للتسلية فحسب، بل فعل إنساني عميق الجذور، (...)
التأمل في التراكيب القرآنية دعوة لتأمل العربية والبحث في دلالة ألفاظها، فكل مفردة تُستخدم بميزان. في هذا المقال نتأمل ظاهرة تكرار تتابع بعض الأفعال مثل: «خلق» و»جعل» في الآي القرآني والوقوف على دلالة كل منهما.
بالعودة إلى معاجم العربية نجد أن: (خلق) (...)
من أكثر المفاهيم التي يختلط فيها الوعي اللغوي بالتصورات النفسية والفلسفية مفهوما (النفس والذات)، ورغم شيوع استخدامهما في حياتنا اليومية، فإنّ الوقوف على الفروق الدقيقة بينهما يكشف أبعادًا أعمق في فهم الإنسان لذاته ومسؤوليته عن أفعاله.
فالنفس في (...)
لطالما كانت إهداءات الكتب نافذةً صغيرة تُطلّ منها روح الكاتب على القارئ، لحظة صدق خاصة لا تمر عبر قنوات النشر، ولا تصطدم بمعايير السوق. ومع ذلك، تُعامل هذه المساحة غالبًا بشيء من الإهمال أو الاستعجال، حتى باتت في كثير من الأحيان مجرد كلمات مكرورة، (...)
بعد طول تأمل في أسرار العدد سبعة والنظر في خصائص اللغة العربية ورمزيتها ودقة الإيحاءات العددية، وتقاطع الألفاظ مع المعاني وتشابكها مع المعمار النصي. وفي قلب هذه المنظومة تطلّ واو الثمانية إشارة لغوية تحتاج تأملًا وإعمالًا فكريًّا. فهل بينهما صلة؟ (...)
في معاجم اللغة، يُشتق «الأمل» من الجذر (أمَلَ)، ويعني: الترقب والانتظار، مصحوبًا برجاءٍ في تحقق شيء مرغوب. وقد فرّق اللغويون بين الأمل والتمني؛ فالتمني قد يكون مجرد خيال لا يستند إلى سبب، أما الأمل، فغالبًا ما يقوم على سببٍ يُرتجى معه حصول المأمول. (...)