حين ننظر في تاريخ الفكر الإنساني نفهم جيدًا أنّ "السياق" لم يكن يومًا مجرّد ظرف لغوي طرأ على المعنى، وإنّما كان ومازال سرّ المعنى اللغوي، ومطرقته لتفتيت الغموض والتعميم، وعدسته لتبئير تصوراتٍ تُتيح لنا الإدراك على نحو أعمق.
وفي هذا الإطار تبرز (...)
لم تكن الطفولة عند أبي القاسم الشابي مرحلةً زمنيةً تُطوى مع تقدّم العمر، بل كانت منزلة وجودية يعود إليها كلما أثقلته الحياة، ونافذةً يطلّ منها على العالم كلما ضاق به الواقع. فلم يتعامل مع الطفولة بوصفها نوستالجيا أو زمنًا بريئًا منقضيًا، وإنما (...)
يحلو للعقل البشري أن يُمجّد الحقيقة ويُقدسها بوصفها الملاذ الآمن الذي لا يمكن للخداع أن يدلف من خلاله، غير أن السؤال الأكثر إزعاجًا: هل يُمكن للحياة أن تستمر من غير وهْم؟ وهل نستطيع أن نواجه الوجود بكُلِّ ما فيه من قسوة إن نحن جرَّدناه من كلِّ خيال (...)
لم يكن الخطاب الإعلامي يومًا مجرد وعاءٍ مُحايدٍ لنقل الوقائع، إنّه جهازٌ تلفُّظي كثيف يُنتج المعنى بقدر ما ينقله، ويُعيد تشكيل الوعي بقدر ما يصفه، ومن هنا فإنّ النظر إليه خارج أفق التداولية الثقافية والكفاية الموسوعية يُفضي إلى قراءةٍ سطحيّة ساذجةٍ (...)
لا يكاد يختلف اثنان حول النقلة النوعية التي أحدثتها الدراما السعودية أخيرًا، سواء على مستوى الإنتاج أو التنوّع أو الجرأة في مقاربة القضايا الاجتماعية التي ظلّت طويلًا حبيسة الهامش.
غير أنّ هذه النقلة -على أهميتها- لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تطورًا (...)
قبل عدّة أيام كنتُ على موعد مع إعادة مُشاهدة المناظرة التاريخية بين ميشيل فوكو، ونعوم تشومسكي التي سُجّلت عام 1971م بجامعة آيندهوفن الهولندية؛ حيث لم يكن اختلافهما طارئًا يُمكن ردمه بجملةٍ توفيقية؛ بل كان مواجهةً كاشفة بين تصوّرين متباينين للعقل (...)
هل يُمكن أن يوصف المعنى فعلاً بالتفاهة؟ إنّه سؤال يُشبه سؤالاً آخر: هل يُمكن أن يكون للامعنى معنى؟
إنّ السؤال عن تفاهة المعنى ليس تجاوزًا لغويًا، بل سؤال أصيلٌ في النقد الثقافي، إنّه سؤال عن مآلات عصرٍ اكتفى بالقشور، فصار يستهلك الكلمات كما يستهلك (...)
التاريخ.. ذلك التعويذة الكبرى المتاحة، فمن لم يُحسن قراءته عاش مسحورًا بحاضرٍ يتعثّر في ظلاله، ويُعيد أخطاءً ظنها جديدة غير أنّها قديمة قِدم غرور الإنسان نفسه. التاريخ.. ذلك النذير الذي لا يروي الوقائع بوصفها سردًا، بل يكشف في لفائفها سنن الكون، (...)
ظلّ مفهوم القصد حاضرًا في التفكير اللغوي والفلسفي منذ بداياته، لكنّه لم يكن مفهومًا واحدًا بقدر ما كان يتوزّع بين دلالات نفسية ومنطقية وتداولية. ومع تطوّر فلسفة العقل واللغة في القرن العشرين برز تمييز دقيق بين القصد (Intention) بوصفه حالة ذهنية (...)
حين نتأمّل العربية في تراثها النحوي ندرك أنها لم تنظر إلى اللغة بوصفها تراكيب صامتة، فليست العربية نظامًا لغويًا يُختزل في قواعد تركيبية، ولا بنية شكلية تُفهم بمعزل عن مقاصد الاستعمال، بل هي نسق تتشابك فيه المستويات تركيبيًّا ودلاليًّا وتداوليًّا. (...)
تظلُّ الحقيقةُ في جوهرها عصيّة على التصدّع، لكنّها المشاعر.. ذلك المركّبُ الكيميائي الخفيّ الذي يعبث بالدماغ والروح معًا، فيُعيد تشكيل الحقيقة في تمظهراتٍ شتّى. إنّها ضربٌ من مقاومة الاكتمال الذي لا يعني قصور الحقيقة، بل يعني أنّ الإنسان -حامل (...)
أتوقف طويلًا أمام مشهد الإنسان حين يتشبّث برأيه أو موقفه وكأنّه قد حاز به صكوك الحقيقة. فهو ليس اقتناعًا حيًّا قابلًا للمراجعة بقدر ما هو موضع احتماءٍ آثر المكوث فيه عنادًا.
يُثيرني هذا السكون المُعلَن الذي يُخفي توتّرًا داخليًا، فثمّة مشهدٌ يتكرّر (...)
أن ترى كتابًا على رفٍّ فهو شيء مألوف، لكنّ رمزيّته ربما أخفت وراءها سرًّا كامنًا عن المعرفة والزمن والإنسان.
وكأنّ هذا الرفَّ حدُّ العالَم بين ما يملكه وما يتملّكه مثقفٌ مشغول، فالكُتُب تُوضع كما تُوضع ذاكرتنا في زوايا العقل مُصنّفة ومُرتّبة، (...)
تُمثّل القراءة رحلة وعي مبكّر للطفل؛ حيث يأنسُ فيها عقله إلى السؤال وقلبه إلى المعنى. وحين يتعلّم الطفل كيف يقرأ فإنّه في الحقيقة يتعلّم كيف يُفكّر ويبتكر. ومن هنا تتجلّى أهمية أسئلة الفهم القرائي بوصفها تجسيرًا حقيقيًّا بين النَّص والطفل.
يقول (...)
كلُّ قطرة مطرٍ تُلامس التراب تُوقِظ فينا بُعدًا نائمًا، وكأنّ الحنينَ كان ينتظر هذه الإشارة ليخرج من مخابئه القديمة. لذلك حين يهطل المطر لا تبتلّ الشوارع وحدها، بل تبتلّ معها الأزمنة والذاكرة.
فمنذ البدء، كان المطر قرينَ الحياة والإياب. حيث يبدو في (...)
أتذكرُ عندما نما إلى مسمعي نبأ موت أحد أصدقائي، وكيف أنّ صدمة الذهول سبقت غَصّة الحزن، وكيف أنّه غاب في عنفوان شبابه دون أن يستأذنه القدر.. تساءلتُ حينها: أهكذا انتهى كلّ شيء دون سابق إخطار؟! اللهم لا اعتراض..
ليس أصعبَ على الروح من أن تمتدّ يدُ (...)
في كلّ مرّة أعود فيها إلى الجدل القديم حول العلاقة بين اللفظ والمعنى، أشعر وكأني أدخل مختبرًا فلسفيًا ما زالت أدواته تعمل رغم مرور قرون على بنائها. فالمسألة على قدمها لا تزال تتجدّد عند كلّ محاولةٍ لفهم طبيعة الدلالة إذا ما كانت تنشأ من الوضع؟ أم من (...)
تبدو الثقافة من أكثر المفاهيم انزلاقًا من معناها إلى ظلّها؛ إذ كلُّ شيءٍ اليوم يُوصف بأنه "ثقافة"، فثمّة ثقافة الحوار، وثقافة الاستهلاك، وثقافة السفر، إلى آخره. لكنّ الثقافة ليست سؤالًا واحدًا، بل سؤالان متجاوران في المظهر متباينان في المخبر..
"ما (...)
يتبادر إلى ذهني سؤال.. إذا كانت العرب قديمًا قد عرَفت اللونين الأحمر والأصفر، فبأيِّهما كانت ستصف ما نُسميه اليوم برتقاليًّا؟ وبشكلٍ أدق، ما هي تسميات الألوان وفق معيار (CIE) التي سيطلقونها في ذلك الزمن على درجات اللون بين الطول الموجي 750 نانومتر (...)
لم يعد الوعيُ في عوالم ما بعد الحداثة مجرّد انبثاقٍ للعقل من عتمة الجهل. لقد أصبح يقظة على حافةٍ واهنةٍ بين ما نعرفه عن أنفسنا وما نكتمه. إنّه بتعبير رمزي ضوءٌ يتسلّل من شقوق جدارٍ بنيناه حول ذواتنا اتقاءَ هشاشتنا. لكنّ هذا الجدار الذي ظننّاه حصنًا (...)
لم يكن فريدريك نيتشه وهو يطرح فكرته الصادمة عن العود الأبدي يسعى إلى تأملٍ ميتافيزيقي بقدر ما كان يُفتّش عن امتحانٍ أخلاقي للإنسان الحرّ؛ حيث جاءت فلسفته بوصفها أحد أعقد التصورات الميتافيزيقية التي صاغها الفكر الغربي الحديث في لحظة القطيعة مع الدين (...)
ليس في الحياة ما هو أثقل من البقاء في نقطةٍ تجاوزها الزمن، ولا ما هو أشدّ إنهاكًا من الدوران حول فكرةٍ انتهت، أو علاقة تحلّلت في صمتٍ بارد.
ومع ذلك، يبقى الإنسان في أعماقه كائنًا مأسورًا بالحنين يُفتّش بين الرماد عن دفءٍ مضى، ويُعيد النظر إلى المدى (...)
لم يكن هَمُّ ابن رشد في دراساته الفلسفية يكمن في ترجمة نصوص أرسطو فحسب، بل بدا في إعادة بناء الفهم نفسه بين لغتين وثقافتين ومنهجين.
لقد أدرك منذ البداية أنّ الترجمة ليست نقلًا للألفاظ، بل نقلٌ للمعنى عبر جسرٍ من الفهم والتأويل، وأنّ هذا الجسر كثيرًا (...)
لا تبدو قصة العِقْد ل»غي دو موباسان» مجرّدَ حكاية، بل إنّها حياة الإنسان، يذهب عمره هباءً بحثًا عن ما لا يبرق إلا في أوهامه..
كانت «ماتيلد لوزيل» زوجة جميلة الملامح غير أنّها فقيرة الحظ، امرأةً ذات حسٍّ مفرطٍ في المُختلِف، تشعر في أعماقها أنّها (...)
يبدو الندم كغيمة سوداء تُسافر في دمنا حتى إذا ما أمطرت أنبتت في القلب شوكًا، وإذا ما أبرقت كشفت الطريق إلى أبوابٍ لم نُحرّك كُوّتها أبدًا، أو كرسالة في زجاجة أرسلها بحر الماضي من شاطئه البعيد، فوصلت متأخرة بعدما جفّت الأحبار وتكسّرت الأمواج التي كان (...)