جلستُ مع نفسي وأنا أصوغ أهداف هذا العام، وأراجع ما تمّ في العام الماضي، فتذكّرت زميلًا أحبه فارقنا في بداية هذا العام؛ فشعرت أن بعض الأشياء لا يصلح معها التأجيل، وأن الوقت لا يستأذن أحدًا.
وبين سطرٍ وسطر تذكّرت قصة قرأتها للكاتب الألماني هاينريش (...)
في يومٍ من الأيام كان أحد الأعيان قديمًا يتمشى في قصره صباحًا وهو مكدّر النفس، فسمع خادمًا ينظّف ويغنّي وهو في غاية السرور، فتوقّف متعجبًا وقال في نفسه: «كيف يكون هذا الرجل بهذا الانشراح وأنا، مع كل ما أملك، سريع التكدر؟»، ثم قابل موظفا وسأله (...)
قالل الشاعر خلف بن هذّال:
«الفدا له والولا له بيعةٍ مبروره
لو طلب دم العروق النابضة نفصدها»
وهذا ليس تزيينًا شعريًا بقدر ما هو معنى راسخ، يجسد ولاءً ثابتًا وذودًا لا تردد فيه، وبيعةً تُقاس عند الشدائد قبل الرخاء.
في الأزمات تكبر قيمة الكلمة؛ لأنها (...)
يُحكى أن فتاةً صغيرة كانت تراقب أمها، وكلما أرادت طهي السمكة قطعت رأسها وذيلها قبل أن تضعها في المقلاة، فسألتها باستغراب: لماذا تفعلين ذلك؟ فقالت الأم: هكذا تعلمت من جدتك، وحين سألت الجدة قالت: وهكذا تعلمت من أمي، فذهبوا إلى الجدة الكبرى، فابتسمت (...)
تخيّل إنسانًا واحدًا يقف بين ثلاثة أزمنة؛ خلفه جدّه الذي عاش الجوع والخوف والخيمة، وهو نفسه عاش زمن السيارة والوظيفة وبدايات التقنية الحديثة، وأمامه حفيده الذي سيعيش مع الروبوت، وذكاء الآلة، وإنترنت الأشياء، لو تتبعنا هذا الخط من زاوية واحدة فقط؛ من (...)
سعدتُ يوم صدر قرار مجلس الوزراء رقم (631) بتاريخ 3/ 8/ 1445ه، بالترتيبات التنظيمية للمركز الوطني للمناهج؛ لأنّه بدا نقلةً نوعية للمناهج من «إدارة» داخل الوزارة إلى «بيت خبرة» مستقل، له شخصيته وموارده ومسؤوليته المباشرة؛ فالمنهج هو القطار الذي يجرّ (...)
تزيّنت واشنطن لاستقبال ضيفها السعودي على نحوٍ نادر في تقاليدها الرسمية؛ أعلام المملكة ترفرف خفاقة على امتداد الطريق إلى البيت الأبيض، سجادة حمراء، مراسم عسكرية مكتملة، مدافع تحية، واستعراض لطائراتٍ حربية تحلّق فوق البيت الأبيض في مشهدٍ لافت، كأنّ (...)
التقيتُ الأمير تركي بن طلال لأول مرة في لقاء صغير لا يشبه المجالس الرسمية المعتادة؛ استُدعيت إلى اجتماعٍ محدود في «كرفان» بسيط على سفحٍ من سفوح جبال المنطقة الشاهقة التي تبعد عن أبها، وكان الحضور بضعةَ أشخاصٍ فقط، وأميرُ المنطقة يجلس بيننا محسور (...)
حين يصبح الفهم أهمّ من الحفظ، تصعد الأمم... وتجربة سنغافورة دليلٌ على ذلك.
لا ينهض التعليم بقراراتٍ سريعة، أو تجريب مجتزأ، أو شعاراتٍ عابرة؛ إنّما بفهمٍ لمنطقه الداخلي. وبرغم ما نحظى به من دعم حكومي استثنائي ورؤية طموحة، فإنّ مفتاح التحسين يبدأ من (...)
حين دخل الإنترنت قاعاتنا الجامعية كنّا نريد حماية «الأصالة»، فتركنا الباب مواربًا للخوف، ثم ما لبثنا أن فتحناه على مصراعيه بلا قواعد. تعلّمنا متأخرين أنّ المشكلة لم تكن في الأداة، بل في طريقتنا في استخدامها. اليوم يعيد الذكاء الاصطناعي المشهد نفسه (...)
انبثق مشروع تطوير المرحلة الثانوية في السعودية كخطوة إصلاحية طموحة، استلهمت تجارب الدول المتقدمة التي نجحت في جعل التعليم الثانوي جسرًا بين المدرسة والحياة، وبين المعرفة والعمل. كان الهدف أن يخرج الطالب من الثانوية وهو يعرف نفسه، ويعي قدراته، (...)
في عام 1423ه، أقامت إحدى الكليات حفلاً بهيجًا لإعلان تحوّلها إلى «نظام إلكتروني». جلس مسؤول القبول والتسجيل أمام شاشة الحاسب يعرض للضيوف نتائج الطلاب وشهاداتهم المطبوعة حديثًا، وسط تصفيق الحاضرين الذين رأوا في المشهد رمزًا لدخول عصر التقنية.
سأله (...)
«لا تقتل المتعة يا مسلم». عبارة قالها أحدهم بنبرةٍ تنبيهيةٍ صادقة، فصارت (ترِندًا) لأنها لامست واقعًا نعيشه كل يوم. نُسرع في كل شيءٍ بلا سبب. نأكل كأننا ننافس الوقت، ونصلّي وكأن الصلاة حاجزا ينبغي تجاوزه، ونسافر وكأن الطريق عبء لا متعة، فنُنجز (...)
في عشرينيات القرن الماضي استعانت مصانع التبغ في أمريكا ب«إدوارد بيرنيز»، أبي العلاقات العامة، لتسويق التدخين للنساء. فابتكر حملة خبيثة غيّرت الصورة الذهنية: استأجر امرأتين من بائعات الهوى لتدخنا علنًا في موكب عيد الفصح، رافعتين سجائرهما تحت شعار (...)
في إحدى سفراتي إلى كوالالمبور، لفت انتباهي سائق ماليزي بسيط وقد زيّن سيارته بعلم بلاده احتفالًا بيومهم الوطني. لم يكن ذلك مجرد زينة، بل صورة صادقة لفرح مواطن يشارك وطنه احتفاله. وقتها، تساءلت: كيف للقيم الكبرى أن تتحول من مجرد شعارات تُرفع إلى سلوك (...)
حين قررت «أمازون» أن تقيس التفوق بالبقاء في المكاتب ساعات طويلة، بدا القرار منضبطًا في شكله، لكنه أنهك الموظفين وخنق الابتكار، حتى اضطرت الإدارة إلى مراجعته. النتيجة كانت واضحة: الحضور وحده لا يصنع الجودة. والسؤال هنا: هل يمكن أن يواجه التعليم (...)
في أول محاضرة لي مع طلاب الدكتوراه – وهم نخبة من المعلمين والمشرفين التربويين – طرحت سؤالًا واحدًا: «أين الخلل الذي جعلنا نتأخر في الاختبارات الدولية؟».
انهالت الإجابات: ضعف طرق التدريس، قلة تدريب المعلمين، كثافة الفصول، نقص الإمكانات. لكن لم يذكر (...)
دار حديث مع أكاديميين خلال إقامتي في بريطانيا عن الدعم الحكومي للتعليم، وكان أحدهم يتفاخر ببرامج تمويل طلابهم ومنحهم الدراسية، فقلت بهدوء: إن التعليم الجامعي لدينا مجاني بالكامل، والطالب لا يدفع شيئًا، بل يتلقى مكافأة شهرية تعينه على التفرغ لدراسته، (...)