من أظهر وجوه الإعجاز البياني التي يتوقف عندها الكتاب طويلاً الدقّة المتناهية في اختيار اللفظ القرآني، دقّة لا تحتمل الترادف المطلق، ولا تقبل الاستبدال، ولا تسمح بتقديم أو تأخير دون أن يختلّ المعنى أو يضعف الأثر. فاللفظة في القرآن ليست مجرد حامل للمعنى، بل جزء من بنائه الداخلي. ويضرب كتاب (النبأ العظيم) أمثلة تطبيقية، يُبيّن فيها أن الكلمة الواحدة لو استُبدلت بأقرب مرادف لها، لاختلّ التوازن بين اللفظ والمعنى والسياق. فهناك فرق مقصود بين ألفاظ تبدو متقاربة، لكن لكل واحد منها مجال خاص، وظلال معنوية لا يؤديها غيره. وهذا التمييز الدقيق لا يظهر في الاستعمال العادي، لكنه يتجلى بوضوح في السياق القرآني. كما تتجلى الدقة في ترتيب الكلمات داخل الجملة؛ فالتقديم والتأخير ليسا عفويين، بل يخضعان لاعتبارات معنوية ونفسية وسياقية. فقد يُقدَّم ما حقه التأخير لتقوية المعنى، أو لإبراز عنصر دون غيره، أو لمراعاة نغمة السياق. وكل تغيير في هذا البناء يُفقد الجملة بعض قوتها أو دلالتها. ويُبرز الكتاب أن هذه الدقة لا تقتصر على موضع واحد أو آية بعينها، بل هي سمة عامة تسري في القرآن كله. فلا تجد لفظة زائدة، ولا تعبيرًا يمكن الاستغناء عنه، ولا موضعًا يشعر القارئ فيه أن الكلام كان يمكن أن يُقال على نحو أيسر أو أقرب. واللافت أن هذه الدقة جاءت في نص نزل متفرقًا، وفي ظروف متباينة، ومع ذلك ظل محافظًا على هذا المستوى العالي من الإحكام، دون تفاوت أو اضطراب. وهو أمر لا تعرفه النصوص البشرية، التي يظهر فيها أثر المراجعة والتصحيح والتفاوت الزمني. إن دقة التعبير القرآني ليست صنعة لغوية، بل أثر علم محيط، يضع كل كلمة في موضعها الذي لا يصلح لغيرها، فيكون اللفظ شاهدًا على أن المتكلم يعلم من المعاني ما لا يبلغه البشر. *دراز، محمد (النبأ العظيم)، مركز إبصار للنشر والتوزيع