كان أباؤنا يتحدثون كثيرا عن «العيد الكبير»، كما لو أنه قارة لم تكتشف بعد. لم يكن العيد الكبير يوما في التقويم، بل كان حيلة عاطفية اخترعها الآباء كي يحموا قلوب أطفالهم من خيبة مبكرة. كانوا يتحدثون عنه كما لو أنه قادم لا محالة، لم يكن عيدا يشبه الأعياد التي تمر سريعا مثل زوار خجولين، بل عيدا واسعا بما يكفي ليحتمل كل ما قيل عنه. كانوا يقولون بعد صلاة الفجر يوم العيد، حيث تسكب من الأفواه أحلامنا: سيأتي.. إنه يوم العيد الكبير.. يوم تحقيق الأمنيات والأحلام.. كنا نصدقهم. لم نسأل متى؟ ولا أين؟ فالطفولة لا تفاوض الحلم، بل تسكنه، حيث أصبح الانتظار وطنا صغيرا يكبر مع الأيام. هو عيد أكبر من كل الأعياد كما تركونا نتخيله يومها، أكثر امتلاء بالهدايا، أكثر رحابة بالفرح، وأكثر عدلا مع الأحلام الصغيرة التي تضيق بها الجيوب. كان المكان الذي نخبئ فيه ألعابنا، التي لم نملكها يوما، والملابس التي لم نلبسها، والفرح الذي لم يحدث.. مكان بلا عنوان، وزمن بلا ساعة، كنا نصدقهم. نصدق أن هناك عيدا مؤجلا يشبهنا في مكان ما بالمستقبل؛ تنتظرنا فيه العرائس التي لم تشتر، والفساتين التي بقيت خلف زجاج المحلات، والدمى التي مررنا بجانبها بعيون مترددة. كان ذلك العيد أشبه بوعد سري بين الكبار والصغار. حين يأتي العيد الكبير سوف نحتضن كل تلك الأمنيات التي رسمنا ملامحها بأرواحنا، ودسسناها في جيوب الكبار التي لاذت بالصمت حينها. لكننا كبرنا.. ولم نكن نعلم أن الآباء أنفسهم كانوا يختبئون داخل تلك الحكاية! لم يكن العيد الكبير وعدا للأطفال فحسب، بل ملجأ نفسيا للكبار أيضا؛ بطريقة ناعمة ليقولوا: «ليس الآن، ولكن يوماً ما». إنها اللغة المهذبة للعجز، والشكل الرقيق للأمل المؤجل، فالإنسان حين يعجز عن تغيير الواقع يخترع زمنا آخر يعيش فيه انتصاراته المؤجلة، وهكذا ولد العيد الكبير من رحم العجز. ليس في مدينة محددة، ولا في عام معروف، بل في تلك المسافة الغامضة بين الممكن والمستحيل. كان زمنا بلا تاريخ، ولقاء خياليا تعاد فيه كتابة الخسارات الصغيرة على هيئة أمنيات محفوظة. ثم ماذا؟ كبرنا.. اكتشفنا أن العيد تلك الملهاة التي تخيلناها السعادة المنتظرة في المستقبل، كانت في مخيلة آبائنا، بل ضمادة الأعياد لسد ثغر العجز، تلك الحيلة التي يعرفها الآباء جيدا حين يعجزون عن تغيير العالم. يخترعون للأطفال عالما آخر، ليس لأنهم يكذبون، بل لأن الحقيقة أحيانا قاسية أكثر مما يتحملها قلب صغير. صنعوه كما يصنع الشعراء المدن المستحيلة؛ كي لا يشعر الأطفال بثقل الفقر، ولا يتوجع الكبار بمرارة العجز. محاولة إنسانية بسيطة لتأجيل الألم، وتغليف الخيبات بورق لامع من الحكايات. كبرنا.. واكتشفنا أننا نحمل تلك القصيدة في داخلنا، ثم كبرنا قليلا.. واكتشفنا أن العيد لم يكن في الطريق إلينا، بل كان بعيدا عنا. كان فكرة أكثر من كونه موعدا، ومأوى أكثر منه مناسبة. في علم النفس، يقال إن مسماه «تعويض»، وفي الفلسفة مسماه «أمل مؤجل». أما نحن فكنا نسميه ببساطة وحب «العيد الكبير». لهذا، لا يموت، ينتقل من قلب إلى قلب، مثل سرٍ عائلي قديم دسوه في المسقف بين جنبات السراة. ومع ذلك لم يكن كذبا.. فهو العيد الذي أنقذ طفولتنا. الإنسان حين يعجز عن منح أحبائه العالم يمنحهم وعدا به، وهكذا صار العيد الكبير سرا متوارثا، عيدا لا يأتي أبدا لكنه أنقذ مئات القلوب. فالأحلام التي عُلقت بذلك العيد لم تضع تماما؛ تسربت إلى أعماقنا بطريقة أخرى، بعضها تحول إلى طموحات، وبعضها إلى ابتسامات حنين، وما تبقى لرغبات غامضة بأن نصنع لأطفالنا أيضا حكاية مشابهة. كبرنا.. وكبر معنا ذلك السؤال الذي لم نجرؤ على طرحه في طفولتنا: أين العيد الكبير؟ لم يأت.. لأن العالم لم يُخلق ليحقق كل أحلام الصغار، ولأن الآباء -مهما أحبوا- ليسوا آلهة تصنع المعجزات. لكن الحقيقة التي تأخرت قليلا، كانت أكثر عمقا مما ظننا، فالعيد الكبير لم يكن كذبة، بل مقاومة، كان الطريقة الوحيدة التي اخترع بها الحب لغة حين عجز الواقع عن الكلام.. كان محاولة الآباء لينتصروا على قسوة العالم بحكاية، أن يؤجلوا انكسار الطفولة عاما آخر، وربما عمرا كاملا. هو التمرد الصغير الذي أعلن عنه في وجه العجز، هو الحلم الذي رفع عاليا كي لا تنتصر الهزيمة. لهذا سيظل العيد الكبير يولد كلما عجزت الحياة أن تكون عادلة، سيولد في قلب أبٍ يعد طفلا، في وجه أم تخبئ دمعة، بجوف إنسان رفض أن يعيش بلا أمل، فالعيد الكبير لم يكن عيدا، بل كان اسما آخر لشجاعة «حلم». «لم يأتِ العيد الكبير يا أبي، لكنني ممتنة جداً لأنك صنعتَ لي طفولة تسع أحلاما لا تنكسر، لم تسمحْ للحياة يومًا أن تفاوضني عليها».