كنتُ أبحث في «الكتاب المفتوح» عن تاريخ الاختبارات، فبان لي سريعًا أن الامتحان لا يُفهم بمعزل عن عصره؛ لا لأن الناس «يحبّون» شكلًا دون آخر، بل لأن أدوات حفظ المعرفة وتداولها -ومعها حاجات الدولة والسوق والبيروقراطية- تُعيد تشكيل التعليم، ثم تُعيد تشكيل ما نعدّه «تفوقًا»؛ لذلك كان تتبّعُ الاختبار نافذةً على سؤالٍ أعمق: ما الذي ترفعه المجتمعات إلى مرتبة التفوّق حين تتغيّر أدوات المعرفة؟ أول وعاءٍ للمعرفة كان الذاكرة؛ وحين تكون الذاكرة هي المخزن الأساسي يصبح التعليم تدريبًا على الاستحضار: التكرار، والإيقاع، والصيغ الجامعة، وسلاسل الرواية. وفي هذا السياق يميل القياس، بطبيعته، إلى الأداء الشفهي؛ لأن المعرفة لا تُرى إلا حين تُقال وتُستدعى في مجلسها. ثم ظهرت الكتابة على الألواح، فحدثت قفزة حاسمة: صار للمعرفة «وعاءٌ خارجيّ» يبقى، والخطأ لم يعد يذوب بانفضاض المجلس. عندئذٍ انتقلت القيمة تدريجيًا من البلاغة وحدها إلى الدقة والتوثيق؛ لأن الأثر المكتوب قد تُبنى عليه حقوقٌ وقرارات. ولم تكن هذه مرحلة «تعليم جماهيري»، بل عمل نخبةٍ تقوم بوظيفة حضارية: حفظ سجلات، وضبط معاملات، وتقليل مساحة الالتباس. ومع وسيطٍ أخفّ كالبردي واللفائف - أي الكتابة على أوراقٍ رقيقة تُلفّ بدل الصفحات- أصبحت المعرفة قابلة للحمل والتداول؛ فلم يعد النص سجين مكانٍ واحد، وظهرت حوله مهنٌ: نسخ، وخزائن، ومكتبات. غير أن القراءة ظلّت تميل إلى «السير مع النص»؛ لأن اللفيفة تقود القارئ في خطٍّ متتابع، فتُيسّر المتابعة أكثر مما تُيسّر القفز بين المواضع والمقارنة الدقيقة بينها. والتحوّل اللافت بعد ذلك ليس في «دوام النص» فقط، بل في العلاقة بالخطأ؛ فحين صار المَحو أسهل -كما في ألواح الشمع- ظهرت المسودة بوصفها فكرةً تربوية: تكتب، ثم تُعدّل، ثم تُحسّن. لم يعد الخطأ نهاية الطريق بل جزءًا منه، وهذه لحظةٌ تعليمية مفصلية: التعلم يصبح ممارسةً متكررة، والكتابة تصير تفكيرًا مرئيًا قابلًا للمراجعة. ثم، مع الرقّ والكتاب الصفحي -أي كتابٍ ذو صفحات قابلة للتقليب بدل اللفائف- طال عمر النص وارتفعت كلفة إنتاجه، فاشتدّ «ضبط النص»: نسخٌ أدقّ، وتصحيح، وتجليد. والأهم أن الصفحات القابلة للتقليب غيّرت سلوك القراءة نفسه؛ صار الرجوع، والإحالة، والمقارنة أسهل، فاقترب التعليم من بناء الحجة: أن تستشهد، وتوازن، وتبرّر، بدل أن تمضي مع النص على وتيرة واحدة. وجاء الورق ليجعل التدوين يوميًا: دفاتر، وتلخيصات، وواجبات، وسجلات؛ وهذا ليس مجرد «كثرة كلمات»، بل كثرة ممارسة. ومع الممارسة تولد المؤسسة، ويتضح معنى المنهج: انتقاء ما يبني عقلًا قادرًا على مواصلة التعلم بعد المدرسة؛ لأن العلوم اتسعت، والعمر المدرسي محدود. وفي هذا المناخ يصبح القياس أقدر على الشرح والربط والتبرير؛ لأن المجتمع صار يرى في الكتابة علامةً على تنظيم الفكر، لا على الاسترجاع فقط. ثم جاءت الطباعة، ومعها انفجار الوفرة وتوسّع التعليم جماهيريًا؛ وهذا التوسع أنتج شيئين معًا: فرصةً معرفية، وضغطًا إداريًا. فالوفرة تُفترض أن ترفع التعليم من الجمع إلى التمييز والنقد، لكن كثرة الأعداد تدفع إلى المعيارية، وإلى أسئلة أقصر وتصحيح أسرع؛ إذن ليست «الطباعة» وحدها سبب الاختزال، بل التقاء الوفرة مع الإدارة والوقت والسياسة التعليمية، حتى لا نقرأ التاريخ كخطٍّ تقنيٍّ حتمي. ثم دخلنا زمن الشبكة والتقنية، حيث لم تعد المعلومة بعيدة ولا نادرة؛ وهنا ينكشف مأزق القياس القديم: إذا كانت الإجابة متاحة خلال ثوانٍ فليس الامتحان الحقيقي في امتلاك المعلومة، بل في الحكم عليها. والحكم ليس شعارًا؛ بل مهارات محددة: التحقق من المصدر، والتفريق بين الادعاء والدليل، وتركيب معنى من شواهد متعددة، وإدارة الانتباه وسط تدفق لا ينقطع. ومع أدوات تُنتج مسودات جاهزة يتضاعف سؤال التعليم: هل نربّي عقلًا يستهلك نصوصًا، أم عقلًا يُحاكمها؟ ولهذا أصل إلى الخلاصة: نحن تجاوزنا زمن الندرة بمراحل؛ ومع ذلك ما زالت أنظمة تعليمية تتصرف كأن جوهر المعرفة محصور في كتابٍ موحّد، وكأن التفوق هو إعادة ما فيه كما هو. ليست المشكلة في وجود الكتاب، بل في البقاء داخل منطق الندرة، بينما العالم يكافئ مهارات الوفرة: الانتقاء، والربط، والتحقق، والحكم. ولكي لا تبقى الخلاصة مجرد تشخيص، فالتحديث يبدأ من القياس؛ ففي زمن الوفرة لا يكفي أن يسأل الامتحان: «ماذا تحفظ؟» بل ينبغي أن يسأل ثلاثة أسئلة أبسط وأصدق: كيف تتأكد؟ كيف تربط؟ وكيف تُحسّن؟ وليتضح المقصود: خبرٌ متداول أو رقمٌ شائع -من أين جاء أصلًا، وهل يمكن تتبّعه إلى مصدرٍ أوليّ موثوق؟ نقيس قدرة الطالب على التحقق من ادعاء بمصدرين مستقلين، مع شرح سبب الثقة بهما؛ ونقيس قدرته على تركيب فكرة من أكثر من شاهد، مع ذكر اعتراض قوي والرد عليه؛ ثم نقيس مسار العمل لا النتيجة وحدها: مسودة أولى، ثم تعديل، ثم نسخة نهائية، مع توضيح ما تغيّر ولماذا؟. بهذه الطريقة يصبح الامتحان اختبارًا للفهم والحكم، لا اختبارًا للاسترجاع. إذا تأخر التعليم عن أدوات المعرفة فلن يتأخر في الشكل وحده؛ سيتأخر في نوع الإنسان الذي يصنعه: إنسانٍ يحفظ في زمن الوفرة، بدل إنسانٍ يميّز ويحكم في زمن الضجيج.