من أهمِّ آثار الوظائف الرمضانيّةِ تَدَرُّبُ المسلمِ على المعاني السّامية، واستصحابه ما تعلّمه من خلالِ هذا الشهرِ من الصبر والحلمِ وحسن معاملةِ الخلقِ، فمن مقاصد الصيامِ صيانةُ المسلم عن سلبيّاتِ رعوناتِ النفوسِ الأمّارة بالسوء.. يُعدُّ شهر رمضان المبارك مدرسةً روحانيَّةً فريدةً من نوعها، وهو موسمٌ للصيام المعدود من أركان الإسلام الخمسة، ومع هذا تقوى فيه علاقة المؤمن ببقية الأركان، أما التوحيد فمداره على الإخلاص، والصيام عبادةٌ خالصةٌ لله تعالى كما يدلُّ عليه حديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"، متفقٌ عليه، قال بعض أهل العلم: "إنما أضاف الله الصيامَ إليه؛ لأنه لا يُعبد به غير الله في جميع الملل بخلاف غيره"، وأما الصلاةُ فرمضانُ المبارك موسمٌ للتشميرِ في سنة التراويح، وفي هذا تذكيرٌ بأهمية الصلواتِ المفروضة، وأما الزكاةُ فشهر رمضانَ شهر الخير والإنفاق، ومن جادت نفسه بصدقة التطوعِ فمن باب أولى أن تجود بصدقة الفرض، وأيضاً في نهاية رمضانَ تجب زكاة الفطر، وأما الحجُّ فعمرةٌ في شهر رمضانَ تعدلُ حجةً في الأجرِ وإن كانت لا تُسقط فرضةَ الحجِّ، فعباداتُ المسلم في رمضان إما فرائضُ ينافس فيها المتنافسين، وإما سننٌ تقوّي فيه العزيمة على أداء الفرائض وتذكّره بأهميتها، ومع اختتامه ينبغي أن يظهر على المسلم بعد رمضان ما يوحي بتأثُّره بوظائف رمضان، ولي مع ما ذلك وقفات: الأولى: من آثار وظائف رمضان المبارك أن يستديمَ المسلم الإخلاصَ لله تعالى، فيحاول أن تكونَ أعمالُه الصالحة خالصةً لوجه ربِّه سبحانه وتعالى، والنفس البشريةُ تتعوّد على الشيء بالممارسة والتكرارِ، فكما أنّه داوم طيلة هذا الشهر على ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى بلا مراعاةٍ لغيرِه، فلتكن عباداته الفعلية والتركيّة خالصةً لله تعالى، فلا يقصد بها غيره، ولا يلاحظُ فيها غيرَه، فملاحظة المخلوق في العمل تحبطه كما في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)، أخرجه مسلمٌ، ولو لم يتعلَّم المسلم من الصومِ إلا خصلةَ الإخلاص لكفاه ذلك، فالإخلاصُ هو الأسُّ الذي ينبني عليه قبول الأعمالِ، ومن أخلَّ به كان حظُّه من عمله التّعبَ، ومن آثار وظائف رمضانَ الحرصُ على صيامِ التطوُّعِ، وألصقُه برمضانَ زمناً صيامُ ستٍّ من شوالٍ، فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»، أخرجه مسلمٌ، ومن كان عليه أيامٌ من رمضانَ فعليه أن يبدأَ بقضائها قبل صيامِ هذه السّتِ، ومن صيامِ التطوُّع المرغّبِ فيه صومُ ثلاثةِ أيّامٍ من كلِّ شهرٍ، ففي حديث أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قال: (صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ، صَوْمُ الدَّهْرِ)، أخرجه مسلمٌ. الثانية: من أهمِّ آثار الوظائف الرمضانيّةِ تَدَرُّبُ المسلمِ على المعاني السّامية، واستصحابه ما تعلّمه من خلالِ هذا الشهرِ من الصبر والحلمِ وحسن معاملةِ الخلقِ، فمن مقاصد الصيامِ صيانةُ المسلم عن سلبيّاتِ رعوناتِ النفوسِ الأمّارة بالسوء، ففي حديث أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه: (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ)، متفقٌ عليه، قال بعض أهل العلم: "جعل الصيام جنة لأنه يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان"، فينبغي للمسلم أن لا يستغنيَ عن هذه الجُنَّة بعد انقضاءِ الشهر، بل يتمسّك بما اكتسب أثناء هذا الشهر المباركِ، من رحابةِ الصدرِ والتّسامي عن جفاءِ الجاهلين، وطهارة اللسان والجوارح عن الزور والعمل به، والبعد عن سفاسف الأمور. الثالثة: مما تتجلى فيه آثار وظيفة الصيام موازنة العبد بين الخوف والرجاء، فيخاف أن يؤثر تقصيره على قبول عملِه في هذا الشهر، ومع هذا يرجو من الله تعالى أن يتقبّل منه ما بذله من جهدٍ مستحضراً كرمَ ربّه تعالى، وكونَ هذا الشهرِ فرصةً لنيل أهمِّ المآرب، والخروج بأعظم المكاسب، ولا يُستغرب أن يكون كذلك ففيه منَّ الله تعالى على المسلمين بالنعمة العظمى المتمثلة في نزول القرآن الكريم، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، وباستشعار الخوف والرجاء في هذا المقامِ يكونُ قد توسَّط بين خصلتين متطرفتين ذميمتين، وهما: الأمن من مكر الله، واليأس من رحمتِه، كما أن استشعار الخوف والرجاء يخلّصُ العبدَ من التعويل على عمله، ونسيانِ أنَّ الفضلَ لله تعالى، وهما مدحضتان خطيرتان، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على معالجتهما فقال: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا)، متفقٌ عليه.