تنظيم رقمي لمحطات تنقية المياه على السدود    تحصين 70 مليون حيازة ورصد 27 ألف كم2 لمكافحة الآفات    حقوق الإنسان تباشر 9874 شكوى في 2025    الهلال يكشف تفاصيل إصابات لاعبيه    النصر يكتسح متذيل الترتيب النجمة بخماسية ويستعيد الصدارة    القطاع غير الربحي: التحقق قبل التبرع    خيرية نجران تطلق برامجها الرمضانية    المعمول والكليجا بوجبات إفطار المسجد النبوي    تأجيل الأبوة بعد الأربعين قرار محسوب أم مجازفة بيولوجية    مائدة قباء الرمضانية تجمع الصائمين    طعامي تحفظ 424 ألف كجم من الهدر    فانس يدعو إيران إلى أخذ التهديدات الأميركية "على محمل الجد"    أمانة الشرقية تطلق مبادرة "بسطة خير" في عامها الثاني    جمعية هداية توزّع أكثر من 29 ألف وجبة إفطار وتواصل برامجها الرمضانية    القبض على (3) يمنيين لتهريبهم (220) كجم "قات" في جازان    إصدار دليل العمرة لمعتمري الداخل    الوزير الجاسر يقف على اكتمال حركة مناقلة الصالات في مطار الملك خالد الدولي    جذور الهوية وآفاق المستقبل    ابن معمر يدشن معرض «أصول الخيل» بمكتبة الملك عبدالعزيز في يوم التأسيس    تسجيل أول رصد موثق لحيوان "ابن آوى الذهبي" في الرياض    أمير تبوك يرعى حفل يوم البر السنوي ويدشن صندوق تراحم الوقفي    الأسياح تحتفي بيوم التأسيس    فرع وزارة الشؤون الإسلامية بجازان يحتفي بذكرى "يوم التأسيس"    القيادة تهنئ أمير دولة الكويت بذكرى اليوم الوطني لبلاده    الذهب يرتفع مع استمرار الغموض بشأن الرسوم الجمركية الأمريكية    استشهاد فلسطيني في قصف الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة    الشؤون الإسلامية تشرع في تنفيذ برنامج خادم الحرمين الشريفين لتوزيع التمور في جمهورية النمسا    مؤشر الأسهم اليابانية يرتفع لمستوى قياسي    الأطعمة والملابس تتصدر الإنفاق    أكاديمية واس للتدريب الإخباري تعرف ببرنامج تمكين الخريجين للوظائف الإعلامية في أمسيتها الرمضانية بجدة    تمديد الفترة الاسترشادية لتطبيق لائحة الاتصالات.. مجلس الوزراء: دمج مركزي «التنافسية» و«السعودي للأعمال الاقتصادية»    أمير الباحة يستقبل فهد بن سعد عقب تعيينه نائباً لأمير المنطقة    في إياب ملحق دوري أبطال أوروبا.. مواجهة مشحونة بين الريال وبنفيكا.. وباريس لإكمال المهمة    وزير الخارجية ونظيره الأمريكي يبحثان تطورات المنطقة    «يا طير يا خافدز الريش» إعادة لسردية الكلمة..    «فنان العرب» يقنن الحفلات ويستمر في المناسبات الوطنية    «جدة التاريخية» تظاهرة كبرى في يوم التأسيس    بحث مع وزيرة الثقافة المصرية مشاريع في الموسيقى والأوبرا والسينما.. تركي آل الشيخ يعلن مفاجآت ومبادرات نوعية لتعزيز التكامل الثقافي السعودي المصري    28 شخصاً قتلوا في هجوم للدعم السريع.. والبرهان: الجيش السوداني يتمسك بالحسم العسكري    الرئاسة اليمنية: الدولة ستمضي في انتظام مؤسساتها وردع محاولات زعزعة الأمن    «ساترداي».. دجاجة أليفة لعلاج أستاذة كندية    حثهم على مضاعفة الجهود لخدمة ضيوف الرحمن.. نائب أمير مكة يشارك رجال الأمن الإفطار بالحرم    4,868 انتهاكاً حوثياً بحق المدنيين في الحديدة    طبية جامعة الملك سعود.. صيام الأطفال تجربة روحانية وتربوية    أمير نجران يُدشّن حملة «تأكّد لصحتك»    ثقافة وفنون الدمام يدشن معرض «أجواء رمضانية»    إنزاغي يُبرر تعادل الهلال مع التعاون    الخلود يكسب الخليج بثلاثية في دوري روشن للمحترفين    المعادلة الصعبة بين ديناميكية التجدد والثقل الحضاري    التعاون يتسبب في تعثر جديد للهلال في روشن    20 دولة تندد بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة    قلة النوم تهدد قلوب الرجال في الخمسينات    رمضان يكشف حقيقة صحة الإنسان    مئات النازحين بعد هجوم الدعم السريع على معقل زعيم قبيلة المحاميد    أمير تبوك يستقبل قائد المنطقة الشمالية الغربية    محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية تسجل إنجازا عالميا في تتبع شبح الصحراء    صحة جازان تُحيي ذكرى "يوم التأسيس" وسط أجواء رياضية وتثقيفية ببطولة "مدرك"    الحملة الوطنية للعمل الخيري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الوطنية بين المصلحة والتهوّر
نشر في الوطن يوم 03 - 01 - 2026


قالل الشاعر خلف بن هذّال:
«الفدا له والولا له بيعةٍ مبروره
لو طلب دم العروق النابضة نفصدها»
وهذا ليس تزيينًا شعريًا بقدر ما هو معنى راسخ، يجسد ولاءً ثابتًا وذودًا لا تردد فيه، وبيعةً تُقاس عند الشدائد قبل الرخاء.
في الأزمات تكبر قيمة الكلمة؛ لأنها لا تصنع قرار الدولة فحسب بل تصنع مزاج المجتمع، وحين يضطرب المزاج العام يتسع التأويل ويصبح الانضباط جزءًا أصيلًا من قوة الموقف الوطني. ومن هنا يبدأ الامتحان التربوي الحقيقي، ليس في مجرد إعلان الوطنية بل في إدارتها حين تختلط المفاهيم، وتُلبس المنفعة ثوب الحكمة، ويختلط الموقف بالميل، وتُستعمل الأزمة لتسجيل حضورٍ أو لتصفية حساب.
وقبل وصف السلوكيات يلزم ضبط ميزانين: المبدأ كقاعدة ثابتة لا تتبدل، مثل التثبت وترك القذف والسباب ورفض التحريض وعدم التعميم على الشعوب وحفظ الأدب ولو مع الخصومة، والقيم كمعايير نحاكم بها السلوك، وأبرزها العدل والصدق وحفظ اللسان والوفاء، وتحتها قيم اجتماعية كحفظ العلاقات ورد الجميل، على أن تظل القيم دومًا في خدمة المبدأ لا في كسره.
ومع ذلك لا بد من الإنصاف، فالصمت ليس عيبًا دائمًا؛ إذ قد يكون صمتًا واعيًا مصدره التثبت واحترام المسار الرسمي مع بقاء الانحياز للوطن ثابتًا، وإنما المأخذ على الصمت النفعي الذي تحركه المصلحة ويُلبس لباس الحكمة. وعندما يغيب هذا التفريق تتكرر في المجتمع أربعة أنماط:
أولها: متزنٌ في الظاهر نفعيٌّ في الحقيقة، لغته هادئة لكنه لا يلتزم الهدوء تثبتًا أو إجلالًا للمسار الرسمي، بل رغبةً في ألا يخسر منفعة، فيخشى على تجارة أو ينتظر «شهرة» أو يراعي علاقة، ليقدّم نفعه ثم يطلب من الناس أن يسمّوا ذلك عقلًا، وفي عمق هذا النمط تعمل دوافع خفية تحفظ المكسب وتتجنب الكلفة ثم تُصاغ كلها في قالب «موضوعية» مزعومة.
وثانيها: مندفعٌ يظن أنه ينصر وطنه فيخونه بطريقة تهدم أثر النصرة، حيث يسب ويقذف ويعمّم ويحسب الفحش شجاعة، فيخسر دينه أولًا ثم يسيء لصورة شعبٍ معروفٍ بالشجاعة والوعي والاتزان، إذ إن قوة الدولة لا تحتاج انفلاتًا يزوّر الأخلاق باسم الحماس، وغالبًا ما يغذي هذا الاندفاعَ معتقدٌ مغلق أو اتجاهٌ غضبي يحول الظن إلى يقين والموقف إلى تعميم والخصومة إلى إساءة.
وثالثها: راكب موجة يجعل الأزمة سلّمًا لمكاسب، فيطلب حضورًا ويسجل موقفًا ويصطاد تفاعلًا ويجمع متابعين، متبدلاً في خطابه بتبدل اتجاه الجمهور، يعلو حيث الغنيمة ويصمت حيث الكلفة، وهؤلاء يقال لهم بوضوح: أخلصوا النية؛ فالوطن ليس مجال متاجرة ولا الأزمة منصة استثمار، لاسيما أن هذا النمط تحركه دوافع القبول الاجتماعي وتضخيم الذات، فيُدار الخطاب بحسب ما «يرضي المتابع» لا بحسب ما يحفظ المصلحة العامة.
ورابعها: النموذج الذي يُعوَّل عليه؛ متزنٌ يذود بلا تردد وانحيازه لوطنه صريح وثقته بدولته راسخة، يعرف أن تقدير المصالح العامة والردع والمحاسبة شأنُ دولةٍ لا شأنُ منصات، ثم يجعل كلمته امتدادًا لهذا الوعي، فلا شائعة ولا كذب ولا قذف ولا تعميم، بل يدعم وطنه بلسانٍ منضبط وموقفٍ يحفظ تماسك الداخل وصمتٍ واعٍ حين يكون الصمت أصلح، لأن المبدأ لديه يقود السلوك والقيم تهذّبه.
ولأن بعض الخلط يجيء من الداخل لا من الخارج، فلا بد من تسمية الأشياء بدقة: المعتقدات هي طريقة الإنسان في تفسير الحدث وقد تتحول إلى يقينٍ مغلق، والمصلحة منفعة خاصة خطرها حين تصير معيار الحقيقة أو قائد الموقف، والدوافع والاتجاهات قوى طبيعية من خوف وقبول اجتماعي وغضب ومحبة، والتربية هنا أن يُحسن الإنسان إدارة هذه القوى لا أن يطلقها.
ثم إن الاتزان لا يعني صمتًا بلا موقف، ولا يعني أن الفرد ينازع الدولة حقها في إدارة الملفات الكبرى، بل يعني ترتيب الدور؛ فالدولة تملك المعلومة والأداة والشرعية، والفرد -خاصة صاحب التأثير- عليه واجب حماية الوعي العام من الإشاعة وحماية الداخل من التجييش وحماية الدين من فحش القول.
والميزان العملي واضح: إذا تبدل موقفك بتبدل مكاسبك فهذه منفعة لا حكمة، وإذا احتجت للسباب كي تبدو قويًا فهذه فوضى لا نصرة، وإذا جعلت الأزمة سلّمًا لذاتك فهذه متاجرة لا وطنية، أما إذا انحزت لوطنك بانضباط وصنت لسانك وحفظت وحدة الداخل وتركت إدارة التفاصيل لمن يملكها، فقد أصبت جوهر الرشد.
والخلاصة: الدين أولًا فلا سب ولا قذف ولا ظلم، ثم المليك والوطن فلا تُقدَّم تجارة ولا شرهة ولا علاقة على واجب الانحياز وحماية الداخل، وبعد ذلك تُوزن المصالح والعلاقات بقدرها ما دامت لا تُسقط مبدأ ولا تفتح فتنة ولا تُضعف وحدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.