قالل الشاعر خلف بن هذّال: «الفدا له والولا له بيعةٍ مبروره لو طلب دم العروق النابضة نفصدها» وهذا ليس تزيينًا شعريًا بقدر ما هو معنى راسخ، يجسد ولاءً ثابتًا وذودًا لا تردد فيه، وبيعةً تُقاس عند الشدائد قبل الرخاء. في الأزمات تكبر قيمة الكلمة؛ لأنها لا تصنع قرار الدولة فحسب بل تصنع مزاج المجتمع، وحين يضطرب المزاج العام يتسع التأويل ويصبح الانضباط جزءًا أصيلًا من قوة الموقف الوطني. ومن هنا يبدأ الامتحان التربوي الحقيقي، ليس في مجرد إعلان الوطنية بل في إدارتها حين تختلط المفاهيم، وتُلبس المنفعة ثوب الحكمة، ويختلط الموقف بالميل، وتُستعمل الأزمة لتسجيل حضورٍ أو لتصفية حساب. وقبل وصف السلوكيات يلزم ضبط ميزانين: المبدأ كقاعدة ثابتة لا تتبدل، مثل التثبت وترك القذف والسباب ورفض التحريض وعدم التعميم على الشعوب وحفظ الأدب ولو مع الخصومة، والقيم كمعايير نحاكم بها السلوك، وأبرزها العدل والصدق وحفظ اللسان والوفاء، وتحتها قيم اجتماعية كحفظ العلاقات ورد الجميل، على أن تظل القيم دومًا في خدمة المبدأ لا في كسره. ومع ذلك لا بد من الإنصاف، فالصمت ليس عيبًا دائمًا؛ إذ قد يكون صمتًا واعيًا مصدره التثبت واحترام المسار الرسمي مع بقاء الانحياز للوطن ثابتًا، وإنما المأخذ على الصمت النفعي الذي تحركه المصلحة ويُلبس لباس الحكمة. وعندما يغيب هذا التفريق تتكرر في المجتمع أربعة أنماط: أولها: متزنٌ في الظاهر نفعيٌّ في الحقيقة، لغته هادئة لكنه لا يلتزم الهدوء تثبتًا أو إجلالًا للمسار الرسمي، بل رغبةً في ألا يخسر منفعة، فيخشى على تجارة أو ينتظر «شهرة» أو يراعي علاقة، ليقدّم نفعه ثم يطلب من الناس أن يسمّوا ذلك عقلًا، وفي عمق هذا النمط تعمل دوافع خفية تحفظ المكسب وتتجنب الكلفة ثم تُصاغ كلها في قالب «موضوعية» مزعومة. وثانيها: مندفعٌ يظن أنه ينصر وطنه فيخونه بطريقة تهدم أثر النصرة، حيث يسب ويقذف ويعمّم ويحسب الفحش شجاعة، فيخسر دينه أولًا ثم يسيء لصورة شعبٍ معروفٍ بالشجاعة والوعي والاتزان، إذ إن قوة الدولة لا تحتاج انفلاتًا يزوّر الأخلاق باسم الحماس، وغالبًا ما يغذي هذا الاندفاعَ معتقدٌ مغلق أو اتجاهٌ غضبي يحول الظن إلى يقين والموقف إلى تعميم والخصومة إلى إساءة. وثالثها: راكب موجة يجعل الأزمة سلّمًا لمكاسب، فيطلب حضورًا ويسجل موقفًا ويصطاد تفاعلًا ويجمع متابعين، متبدلاً في خطابه بتبدل اتجاه الجمهور، يعلو حيث الغنيمة ويصمت حيث الكلفة، وهؤلاء يقال لهم بوضوح: أخلصوا النية؛ فالوطن ليس مجال متاجرة ولا الأزمة منصة استثمار، لاسيما أن هذا النمط تحركه دوافع القبول الاجتماعي وتضخيم الذات، فيُدار الخطاب بحسب ما «يرضي المتابع» لا بحسب ما يحفظ المصلحة العامة. ورابعها: النموذج الذي يُعوَّل عليه؛ متزنٌ يذود بلا تردد وانحيازه لوطنه صريح وثقته بدولته راسخة، يعرف أن تقدير المصالح العامة والردع والمحاسبة شأنُ دولةٍ لا شأنُ منصات، ثم يجعل كلمته امتدادًا لهذا الوعي، فلا شائعة ولا كذب ولا قذف ولا تعميم، بل يدعم وطنه بلسانٍ منضبط وموقفٍ يحفظ تماسك الداخل وصمتٍ واعٍ حين يكون الصمت أصلح، لأن المبدأ لديه يقود السلوك والقيم تهذّبه. ولأن بعض الخلط يجيء من الداخل لا من الخارج، فلا بد من تسمية الأشياء بدقة: المعتقدات هي طريقة الإنسان في تفسير الحدث وقد تتحول إلى يقينٍ مغلق، والمصلحة منفعة خاصة خطرها حين تصير معيار الحقيقة أو قائد الموقف، والدوافع والاتجاهات قوى طبيعية من خوف وقبول اجتماعي وغضب ومحبة، والتربية هنا أن يُحسن الإنسان إدارة هذه القوى لا أن يطلقها. ثم إن الاتزان لا يعني صمتًا بلا موقف، ولا يعني أن الفرد ينازع الدولة حقها في إدارة الملفات الكبرى، بل يعني ترتيب الدور؛ فالدولة تملك المعلومة والأداة والشرعية، والفرد -خاصة صاحب التأثير- عليه واجب حماية الوعي العام من الإشاعة وحماية الداخل من التجييش وحماية الدين من فحش القول. والميزان العملي واضح: إذا تبدل موقفك بتبدل مكاسبك فهذه منفعة لا حكمة، وإذا احتجت للسباب كي تبدو قويًا فهذه فوضى لا نصرة، وإذا جعلت الأزمة سلّمًا لذاتك فهذه متاجرة لا وطنية، أما إذا انحزت لوطنك بانضباط وصنت لسانك وحفظت وحدة الداخل وتركت إدارة التفاصيل لمن يملكها، فقد أصبت جوهر الرشد. والخلاصة: الدين أولًا فلا سب ولا قذف ولا ظلم، ثم المليك والوطن فلا تُقدَّم تجارة ولا شرهة ولا علاقة على واجب الانحياز وحماية الداخل، وبعد ذلك تُوزن المصالح والعلاقات بقدرها ما دامت لا تُسقط مبدأ ولا تفتح فتنة ولا تُضعف وحدة.