ليست قيمة الحضارات في طول أعمار مبانيها ولا في كثافة آثارها، بل في قدرتها على أن تبقى قيمًا حية تُعاش يوميًا، وتتحول إلى سلوك عام ومنطق حياة. فالتاريخ مليء بحضارات عظيمة انتهت إلى متاحف وكتب، بينما ندر أن نجد كيانًا استمر أكثر من أربعة عشر قرنًا وهو حاضر في الوعي، واللغة، والقيم، وتفاصيل الحياة اليومية. وهنا تتجلى خصوصية المملكة العربية السعودية، بوصفها «المعادلة الصعبة» في التاريخ السياسي والحضاري. عبقرية البدء: الهجرة كفعل سيادي هذه الخصوصية لا يمكن فهمها إلا عبر استيعاب منطق «الهجرة» بوصفه فعلًا حضاريًا مؤسسًا. نحن أمةٌ تعتز بالتقويم «الهجري»؛ لأن تأريخنا لم يبدأ بالسكون، بل بدأ ب «الهجرة النبوية»؛ وهي قمة الفعل الديناميكي والارتحال نحو التمكين. كانت تلك «الهجرة التأسيسية الأولى» إعادة هندسة شاملة للزمكان الحضاري، نقلت الأمة من حالة الاستضعاف إلى بناء أول نموذج سيادي قائم على التنظيم والرسالة. ومن هذا المعين ذاته، جاءت «الهجر» في التجربة السعودية الحديثة. حيث تجلت عبقرية الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- في «توطين البادية» التي لم تكن مجرد استقرار مكاني، بل كانت هندسة سيادية نقلت القوة من طاقة الترحال غير المنظمة إلى طاقة البناء المؤسسي. لقد صنع الملك عبدالعزيز من الحركة ثباتاً، ومن الهجرة تاريخاً، محولاً المجتمع إلى طاقة بناء سيادي دون أن يفقده روح الجسارة. ثنائية «البدء» و«الحضور»: ميزان القوة السعودية هنا تبرز الفلسفة الكامنة في لغتنا وهويتنا؛ فمصطلح «بدو» مشتق في عمقه من «البدء»؛ والبدوي بطبيعته شخصية فولاذية لأنه يملك شجاعة «البداية الجديدة» والقدرة على الانطلاق من الصفر مع كل ترحال، وهو ما نُسميه في علم الإدارة اليوم «المرونة الفائقة». أما «الحضر»، فهم ليسوا مجرد سكان مدن، بل هم مشتقون من «الحضور»؛ أي القدرة على التأثير والفاعلية والبقاء في قلب المشهد العالمي. فالحضارة في جوهرها هي «نفي الغياب»، والحضارات التي تبقى شاهدة على العصر هي التي ترفض السكون وتختار الحضور الدائم. لقد نجحت الدولة السعودية في الجمع بين هذين البعدين: امتلاك شجاعة «البداية» البدوية، وهيبة «الحضور» الحضري، لتضمن لنفسها مكانًا في قلب الفعل الحضاري لا على هامشه. رؤية 2030: «تصفير المسارات» نحو المستقبل وفي عصرنا الراهن، تتجسد «الهجرة الثالثة» في رؤية السعودية 2030. إنها هجرة من نماذج تقليدية استنفدت طاقتها إلى نماذج ديناميكية قادرة على «تصفير المسارات» والبدء من جديد في كل زمان ومكان. السؤال لمن يراهن على السكون: هل تستطيع مجاراة من يسكن «ديناميكية التجدد» ويملك وعي البدايات الجديدة؟ رؤية 2030 هي تأكيد على أننا لا نحسب الأيام كأرقام، بل كمسارات سيادية نصنعها في فضاء الزمكان العالمي، لننتقل من السكون الإداري إلى «دولة الفعل» والابتكار. الخاتمة بُدئ تاريخنا ب «هجرة»، وتأسست مملكتنا ب «هجر»، وتتجدد ريادتنا ب«رؤية». نحن أمة تحمل ثقل قرون من القيم، وتمتلك في آن واحد شجاعة «البدء» الدائم. حضارة لا تتجمد في الماضي، ولا تذوب في حداثة مستوردة، بل تثبت أن الهوية العميقة المرتكزة على «الحضور» هي الشرط الأول للنهضة المستدامة.