رمضان، شهر الصيام والقيام أم شهر الدراما والطعام؟ رمضان بدأ في فجر الإسلام شهرًا يجوع فيه المسلمون ويعطشون، في عبادةٍ تصاحبها عبادات أخرى تهدف إلى ترويض النفس وكبح شهواتها، ومراجعتها وتهذيبها. وإلى اليوم، والحمد لله يظل رمضان شهر العبادة والتسامح والمحبة، ولكن بطبيعة الحال ظهرت ظواهر جديدة أصبحت هي الطابع الأبرز في هذا الشهر المبارك. فاليوم أصبح رمضان موسمًا يتضاعف فيه الاستهلاك بشكل كبير. وبحسب تقارير دولية وإقليمية درست النفايات العضوية (بقايا الطعام) في عدة مدن عربية، وُجد أنها تزداد في شهر رمضان بنسبة قد تصل إلى 40 % مقارنة بالأيام العادية، وبعض التقارير تشير إلى أن زيادة الاستهلاك الغذائي قد تصل إلى 70 %. وهذه هي الظاهرة الأولى، والتي على الأغلب ظهرت أو تفشّت وتزايدت خلال الجيلين أو الثلاثة الماضية. أما الظاهرة الأخرى، وهي أحدث من الأولى، فهي مضاعفة العروض السينمائية والإنتاج الدرامي، حتى أصبح الموسم الرمضاني أكبر سوق سنوي للإنتاج التلفزيوني، حيث يُنتج فيه أضعاف ما يُنتج في الأشهر الأخرى. رمضان، مثل كل حدث متكرر، لا بد أن يطرأ عليه تغيّر بحسب تغيّر ظروف الناس وزمانهم وثقافتهم. وقد تكون لهذه الظواهر أسبابها المنطقية؛ فالجوع في النهار، في عصرٍ توفرت فيه أصناف الطعام، يدفع بعض الناس إلى المبالغة في إعداد الموائد. ومع الوقت تتحول المبالغة إلى عادة، ثم تتسلل إليها آفة التفاخر والتباهي ثم التنافس. أما الظاهرة الأخرى، فقد يكون من أسبابها أن التجمع العائلي الذي يحصل في رمضان — وهو ظاهرة قديمة — ويصاحبه تقليص في ساعات العمل، كانا من العوامل التي شجعت منتجي السينما والدراما على استثمار هذا الموسم وبث عروضهم خلاله. ونحن هنا لا نسوق مبررات، بل نفسر أسبابًا. والمجتمع لا يزال قادرًا، عبر الوعي والوعظ والمسؤولية الفردية، على تعديل سلوكه وأن يحدّ من هذه الظواهر. غير أن السبيل الأسهل قد يكون تعديلها تدريجيًا حتى تُخلق مع الوقت عادات أخرى أفضل؛ بحيث لا تزيد الأسرة استهلاكها من الطعام في رمضان، بل تحوّل وجبات الأيام العادية إلى أوقات مسائية رمضانية، تعيد تشكيلها وتوزيعها. ومن الطبيعي أن تضفي عليها لمسات رمضانية مميزة، ولكن دون إسراف أو مبالغة في الكميات. كما يمكن أن يتجه المزاج العام نحو البرامج الأقرب إلى هدف رمضان الأساسي في تهذيب النفس وترقية الأخلاق، مع استغلال الإنترنت الذي يتيح مشاهدة المحتوى في الوقت المناسب، دون التقيد بساعات العرض التي قد تتعارض مع أوقات العبادة. هذه الظواهر، وأي ظواهر مشابهة، هي نتاج طبيعي لظروف اجتماعية واقتصادية وتغيرات ثقافية. ليست مؤامرة، ولا هي مبرَّرة. لكنها تحتاج أولًا إلى وعي بها، ثم إلى مراجعة وإرشاد وتعديل، أو إلى خلق عادات أفضل. وهذا يصنعه في الأساس الوعي المجتمعي؛ فالفرد إذا جعل هدفه في رمضان هو الصيام ثم التقوى، وتوجّه إلى تقليص الاستهلاك، وتوقف عن التفاخر بموائد الهدر والإسراف، ووعى بأن ذلك سلوك يشوّه رمضان، واتجه إلى البرامج الأقرب إلى تهذيب الأخلاق وترويض النفوس، فإن المنتجين سيتجهون بطبيعة الحال إلى إنتاج السلعة الأكثر رواجًا. وفي الأخير، العرض يحكمه الطلب، وزمام المبادرة بيد المستهلك الأخير.