قرار هادئ، مرّ دون ضجيج يُذكر، رأى فيه أصحابه ترشيداً للمناهج وتخفيفاً من الأعباء غير الضرورية، غير أن الزمن ذلك الشاهد الذي لا يكذب كشف في وجوه أبنائنا ما لم تكشفه الجلسات الأكاديمية، فالطالب الذي أمضى اثني عشر عاماً في المدرسة ثم أربع سنوات في الجامعة، بات يخطّ اسمه بصورة لا تُقرأ، أُلغيت مادة الخط العربي، فأُلغي الخط من أيدي جيل بأكمله. وها نحن اليوم نقف أمام المشهد ذاته، لكن أكبر وأثقل وأشد وطأة على القلب، إلغاء كلية اللغة العربية والدراسات الإنسانية في جامعة الملك سعود. ليست المصادفة أن يبدأ الانحسار من الخط، فالخط ليس مهارة يدوية فحسب، هو الصلة الجسدية الأولى بين الإنسان ولغته، هو اللحظة التي تنتقل فيها الكلمة من العقل إلى الورق عبر الجسد، حين ألغي تدريس مادة الخط العربي من يد الطفل، لم تُلغ حرفة، بل قطع خيطاً رفيعاً غير مرئي يربطه بأجداده الذين كتبوا المصاحف بأنامل راجفة من الخشوع، وبالخطّاطين الذين جعلوا من الحرف العربي تحفةً بصرية أذهلت العالم. وبعد أن قُطع ذلك الخيط، جاء اليوم الذي نقطع فيه ما هو أعمق: الدراسة الأكاديمية للغة ذاتها، في أعرق جامعة سعودية. جامعة الملك سعود ليست مجرد مؤسسة تعليمية، هي أول جامعة في المملكة العربية السعودية، أُسّست عام 1957م حين كانت الأمة تضع لبنات مشروعها الحضاري الحديث، تخرّج منها الشعراء والأدباء والمفكرون والفقهاء الذين شكّلوا الوجدان السعودي، أن تُلغي كلية اللغة العربية في هذه الجامعة بالذات هو فعل يشبه أن تهدم قاعة المؤسّسين في مبنى تاريخي. والمؤلم في هذا القرار أنه لا يأتي من جهل، بل يأتي على ما يبدو من حسابات لها منطقها: أرقام القبول، ومخرجات سوق العمل، ومعادلات الكفاءة الأكاديمية. ونُقرّ أن ثمة اعتبارات قد لا نُدركها، غير أن ثمة حقيقة راسخة لا تُفنّدها أيٌّ من هذه الحسابات: كلية اللغة العربية ليست خط إنتاج يُورِّد موظفين للسوق، هو مشروع حضاري يُورِّد عقولاً للأمة. المنطق الذي يقيس قيمة الكلية بعدد خرّيجيها الموظّفين هو منطق صحيح حين تتحدث عن كليات الهندسة والطب والحاسب، أما حين تُطبّقه على اللغة والدراسات الإنسانية، فأنت تقيس الأشياء بغير مقاسها، مثل من يزن الموسيقى بالكيلوغرام، أو يقيس جمال اللوحة بعدد ألوانها. أيّ معادلة اقتصادية ستحسب قيمة باحث واحد يُحقّق في مخطوطة نادرة تُعيد كتابة فصل من التاريخ؟ وأيّ ميزانية ستُقدّر ثمن أستاذ نحو يُخرج جيلاً يفهم الفارق بين الضمير الغائب و الضمير المستتر، وأيّ قاعدة بيانات ستسجّل الأثر غير المرئي للشاعر الذي يكتب قصيدةً تحمل الإنسان السعودي على أن يفتخر بنفسه ويعرف من أين جاء؟. هذه المخرجات لا تظهر في الإحصاءات، لكنها هي التي تصنع الفارق بين أمة حيّة وأمة تعيش على هامش غيرها. وتبلغ المفارقة ذروتها المؤلمة حين نضع الصورتين جنباً إلى جنب.. حين أطلق عراب الرؤيه و فخر العرب، الأمير محمد بن سلمان، مبادرةً وطنية رسمية لدعم اللغة العربية، وترفع لواء حمايتها تماشياً مع رؤية 2030 التي تجعل من الهوية الوطنية ركيزةً أصيلة، وفي العام ذاته، تُلغي جامعة الملك سعود كلية اللغة العربية والدراسات الإنسانية. المبادرة تقول: «نُعلي من شأن العربية».. والقرار يقول: «نُلغي من يُعلّمها». هذا ليس تناقضاً بين مؤسستين، هذا تناقض داخل مشروع! هل نريد العربية لغةً حيّة تتمدّد في مؤسساتنا الأكاديمية وبحوثنا وفكرنا، أم نريدها لافتةً جميلة نرفعها في المناسبات ثم نطويها؟. قبل اختراع الطابعة، كان الخطّاط العربي يعرف أن الحرف الذي يكتبه سيبقى قروناً، لم يكن يكتب للقارئ فحسب، بل كان يكتب للتاريخ، لهذا كان الخط جميلاً لأنه كان بصمة. حين أُلغيت مادة الخط، أُلغيت الفكرة الكامنة خلفها: أن في يدك رسالة لمن لم يُولد بعد. وحين تُلغى كلية اللغة، تُلغى الفكرة الأعمق: أن في لسانك جسراً بين الأجداد والأحفاد.. والأمم التي تقطع جسورها مع ماضيها لا تُسرع نحو المستقبل، بل تسقط في فراغ لا اسم له.