في غضون أيام معدودة، تحولت العلاقة بين واشنطنوبغداد من شراكة أمنية هشّة إلى أزمة مفتوحة على احتمالات خطيرة، حين تقاطعت 3 ملفات متفجرة في آنٍ واحد: مكافأة 10 ملايين دولار برأس قائد كتائب «سيد الشهداء»، وتجميد نصف مليار دولار من عائدات النفط العراقي في خزائن الاحتياطي الفيدرالي، وكمين نفذته فصائل مسلحة ضد دبلوماسيين أمريكيين في عاصمة يُفترض أنها خاضعة لسيادة الدولة. ثلاثة ملفات تكشف معا أن إدارة ترمب قررت رفع سقف المواجهة مع الميليشيات الموالية لطهران، وأن بغداد باتت تدفع فاتورة حروب لا تملك زمامها. رأس مطلوب في الوقت الذي أعلن برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأمريكية عن رصد 10 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى هاشم فنيان رحيمي السراجي، المعروف ب«أبو آلاء الولائي»، الأمين العام لكتائب «سيد الشهداء» الموالية لإيران في العراق. ووصفت واشنطن الكتائب بأنها منظمة إرهابية تورطت في قتل مدنيين عراقيين وشن هجمات على منشآت دبلوماسية أمريكية داخل العراق، فضلا عن استهداف قواعد عسكرية وأفراد أمريكيين في العراق وسوريا. ولم تكتفِ الخارجية الأمريكية بالمكافأة المالية، بل أضافت إليها عرض الإقامة في الولاياتالمتحدة حافزا لمن يدلي بمعلومات موثوقة. والأخطر في هذا الملف أن السراجي ليس مجرد قائد ميليشيا في الظل، بل هو شخصية ذات ثقل سياسي داخل تحالف الإطار التنسيقي، الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان العراقي. وهذا التداخل بين العمل المسلح والوزن السياسي يجعل ملاحقته الأمريكية تتجاوز بُعدها الأمني لتطرح تساؤلات جوهرية عن حدود السيادة العراقية وطبيعة العلاقة بين الدولة والفصائل. والأهم أن هذه المكافأة لم تأتِ معزولة، بل جاءت بعد نحو عشرة أيام من مكافأة مماثلة رُصدت بحق أحمد الحميداوي زعيم كتائب حزب الله العراقية، في دلالة واضحة على أن واشنطن تنتهج سياسة ممنهجة لاستهداف رؤوس الفصائل واحدا تلو الآخر. نفط مجمد على الجبهة الاقتصادية، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن وزارة الخزانة الأمريكية أوقفت تسليم شحنة نقدية تقارب 500 مليون دولار من عائدات مبيعات النفط العراقي، المودعة في حسابات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وأن هذا التعليق يمثل الثاني من نوعه منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ولم تتوقف العقوبات عند الجانب المالي، بل امتدت لتشمل تجميد تمويل برامج مكافحة الإرهاب وتدريب القوات المسلحة العراقية، في ضربة موجعة للعمود الفقري للتعاون الأمني الثنائي. وقد ربطت واشنطن استئناف هذا الدعم بشرطين لا تهاون فيهما: وقف هجمات الفصائل الموالية لطهران، والشروع الفعلي في تفكيك هذه الجماعات المسلحة. وهو ما يضع الحكومة العراقية في مأزق وجودي حقيقي؛ إذ لا تستطيع مواجهة فصائل تتشارك معها في السلطة التشريعية، ولا تقدر في الوقت ذاته على تحمل كلفة العقوبات الأمريكية المتراكمة على اقتصاد يرزح أصلا تحت وطأة الهشاشة البنيوية. دبلوماسيون في مرمى النار يبقى الملف الأكثر إشعالا للأزمة هو كمين ال8 من أبريل الجاري، الذي نُفذ ضد دبلوماسيين أمريكيين في قلب بغداد، ودفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى استدعاء السفير العراقي في واشنطن وإبلاغه إدانة شديدة اللهجة. فالاعتداء على دبلوماسيين في عاصمة دولة شريكة يتخطى حدود الاستفزاز المعتاد ليطعن في صميم قواعد العلاقات الدولية، ويُسقط آخر الحجج القائلة إن الفصائل تُميز بين الأهداف العسكرية والدبلوماسية. وقد تزامن ذلك مع استمرار استهداف السفارة الأمريكية في بغداد ومنشآتها اللوجستية في المطار وحقول النفط التي تديرها شركات أجنبية، في تصعيد يؤكد أن إعلان بعض الفصائل تعليق عملياتها في أعقاب الهدنة الأمريكيةالإيرانية لم يكن سوى مناورة تكتيكية. قاآني إلى بغداد وفي مؤشر على حجم الاضطراب الإيراني من هذا التصعيد المتسارع، كشف مسؤول عراقي رفيع عن وصول القائد الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، حيث أجرى سلسلة لقاءات مع قادة سياسيين وزعماء فصائل موالية لطهران، في مسعى لاحتواء التداعيات قبل أن تتحول إلى انهيار كامل لقنوات التنسيق.