كشف تقرير المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية لعام 2024 أن تعزيز المرونة والصلابة النفسية يعتبر من مستهدفات رؤية المملكة، وأنه سيرفع من قدرة المجتمع السعودي في مواجهة الأزمات على اختلافها، ولكنه في 2022 أشار إلى أن 82 % من مؤسسات القطاع العام والخاص لا تهتم بالعلاج النفسي لموظفيها، ولا تخصص ميزانية لمعالجة التحديات المرتبطة به.. في الفترة ما بين يومي 27 و28 يونيو القادم، سيعقد مؤتمر دولي في الرياض عن الطب النفسي والصلابة النفسية، وسيناقش استراتيجيات تعزيز هذه الصلابة، وذلك لمساعدة الأشخاص على مواجهة تحديات الحياة المعاصرة وما أكثرها!، والمفهوم السابق لمن لا يعرفه، يمكن الشخص من المحافظة على توازن أدائه النفسي والانفعالي تحت الضغط، ولا يسمح للمؤثرات الخارجية، أو الأفكار السلبية، أو حتى تجاربه الفاشلة، أن تقود قراراته وتتحكم في سلوكه، أو ينشغل بها عن تحقيق أهدافه بثقة ومرونة، والمصطلح حاضر بصورة أكبر في المجال الرياضي، لأن اللاعبين في بعض المنافسات الرياضية يكونون تحت ضغط نفسي وذهني وجسدي عالٍ، خصوصا إذا كان الفارق بين النجاح والفشل فيها أجزاء من الثانية، كما هو الحال في لعبة كرة السلة مثلاً. إلا أن المسألة ذاتها تمتد إلى عامة الناس ممن يواجهون صعوبات في التعامل مع الصدمات والانتكاسات، سواء في مكان العمل أو في الحياة، وأصحاب هذه الشخصيات يتقمصون دور الضحية باستمرار، وهم في معظم الأحيان عاشوا في بيئات عائلية وفرت لهم كل شيء، وبلا احتمالات خسارة، ولم يعطوا الفرصة للدخول في تجارب حياتية مؤلمة نسبياً، وفي رأيي، الفشل ضروري ومهم في بناء الشخصية الصلبة، تماما كأهمية المرض في تعزيز المناعة. منظمة الصحة العالمية قدرت في 2022 أن العالم يفقد سنويا 12 مليار ساعة عمل، بفعل الاكتئاب والقلق، وأنهما يكلفان الاقتصاد العالمي قرابة ترليون دولار، وبرامج التدريب على الصلابة النفسية مفيدة في خفض هذه الأرقام، والشاهد أن تقرير ديلويت عن الصحة العقلية لعام 2024 وجد أن كل دولار يستثمر في برامج تعزيز الصحة والمرونة النفسية، وبالأخص في مكان العمل، يحقق عائدا يصل لقرابة خمسة دولارات، لأنه يحسن من الإنتاجية، ويقلص من معدلات غياب الموظفين، وفي دراسة أجرتها جامعة الملك سعود على عينة من المجتمع السعودي ونشرت في 2016، لوحظ أن الأشخاص الذين يتمتعون بصلابة نفسية عالية لديهم قدرة واضحة على التكيف مع الضغوط، وبنسبة تتجاوز 65 %، عند مقارنتهم بذوي الصلابة النفسية المتواضعة، وقالت إن هذا ينعكس إيجايباً على الإنتاجية المهنية. حتى أن لاعبي الدوري السعودي للمحترفين يتأثرون بذلك، فقد لاحظت دراسة قامت بها الجامعة نفسها ونشرت في 2018 أن اللاعبين الذين سجلوا مستويات مرتفعة من الالتزام والتحكم، وهما من عناصر الصلابة النفسية، انخفضت لديهم معدلات القلق قبل المباريات الحاسمة، وبنسبة 22 % مقارنة بالآخرين، وهذا يظهر بصورة أكبر في الألعاب الفردية، كألعاب القوى والكاراتيه، وبمعدل إحصائي أعلى من 15 %، لأنها تعتمد على قدرات الشخص وحدها، وأكدت دراسة نفذتها جامعة سون باث سين الصينية في 2024، وراجعت فيها السجلات الصحية لأكثر من عشرة آلاف أميركي أعمارهم فوق الخمسين، أن الصلابة النفسية والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة والمحافظة على نظرة هادئة ومتأملة في أوقات الأزمات، ساهمت في تراجع خطر الوفاة عند هؤلاء بنسبة 53 %. من الأمثلة التاريخية على ما سبق، الإمبراطور والفيلسوف ماركوس أوريليوس الذي قاد الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني الميلادي، وسط الحروب والأوبئة والخيانات، وألف كتاب: التأملات، وهو يقرأ في الوقت الحالي، كمرجع علمي للتحكم في الانفعالات، وفصل الضغوط الخارجية عن السلام الداخلي.. وخالد بن الوليد عبقري العسكرية الإسلامية وصاحب النموذج الاستثنائي في الثبات تحت الضغط، والذي لم يهزم في كل معاركه، وعددها يتجازو ال100 معركة، بما فيها معركة أحد ضد المسلمين أنفسهم، فعندما انكسرت في يده تسعة سيوف في معركة مؤتة حافظ على توازن الجيش، وعلى هدوئه الذهني، رغم التفوق الهائل لخصومه، وكان تصرفه سببا في تسميته بسيف الله المسلول من قبل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ومعهما إبراهام لينكولن، ومواجهته لسلسة من الإخفاقات سبقت رئاسته لأميركا، وتحديداً ما بين عامي 1831 و1836، فقد فشل في عمله وخسر انتخابات الهيئة التشريعية، وتوفيت خطيبته وأصيب بانهيار عصبي، ثم أخفق في خمسة انتخابات تالية، لكنه ظل مؤمنا بهدفه حتى وصل إليه. كل هؤلاء كانوا يعلمون أنهم لا يستطيعون التحكم في الأحداث الخارجية، ولكنهم يملكون السيطرة الكاملة على كيفية التعامل معها في دواخلهم، ولديهم قدرة على تحويل المحنة إلى منحة، وكشف تقرير المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية لعام 2024 أن تعزيز المرونة والصلابة النفسية يعتبر من مستهدفات رؤية المملكة، وأنه سيرفع من قدرة المجتمع السعودي في مواجهة الأزمات على اختلافها، ولكنه وفي 2022، أشار إلى أن 82 % من مؤسسات القطاع العام والخاص لا تهتم بالعلاج النفسي لموظفيها، ولا تخصص ميزانية لمعالجة التحديات المرتبطة به، والتي أفاد 57 % من الموظفين أنها تشمل الضغط النفسي والعصبي في مكان العمل، والاحتراق الوظيفي والقلق، ولا توفر لموظفيها، على الأقل، برامج مساعدة، و52 % من الإجمالي لا يمنحون تغطية تأمينية خاصة بالصحة النفسية، ولا أتصور إمكانية تحقيق منجز يخص الصلابة النفسية في مثل هذه الظروف.