كانت أبواب الخير على موعد مع هذه الدولة الفتية، فمنذ أن أسست المملكة سرعان ما ظهر النفظ في ربوعها، وغمر الخير شعبها، وأخرجت الأرض خبأها وكنوزها، والذي قوبل بنعمة كبرى وهي نعمة التوحيد الخالص، بكل ما يحمله من رحمة وعدل ومساواة، ومن منطلق هذا التوحيد الخالص فقد حرص حكام هذه البلاد الطيبة على عموم هذا الخير لكل المسلمين بل ولكل العالم، فقامت جهودهم على خدمة ضيوف الرحمن؛ وذلك بتوسعة الحرمين، والقيام على المقدسات الإسلامية، وتسهيل كافة مناسك الحج التي كانت تشهد زحامًا وكان الكثير من الحجيج يلاقون حتفهم نتيجة التدافع والزحام، بل وتلقب ملوكها معتزين بهذا الشرف بلقب "خادم الحرمين" هذا فضلا عن المشاريع الخيرية التي أنفقوا عليها في كل بلاد المسلمين، والتي أفادت ملايين المسلمين بل وغيرهم في كل أقطار الأرض، وسط هذا الخير الصافي لم يكن لهم توجهات عدوانية، أو رغبة توسعية على حساب أحد، أو التدخل في شؤون الآخرين، فقد كانت عقيدتهم الطيبة تقوم على إنشاء جيش قوي لحماية أرضهم وبلادهم دون أدنى نية للحروب أو الاعتداء؛ مستوحين هذا التوجه كامتداد للوجه الحضاري للإسلام عبر تاريخه الطويل، فاهتموا ببناء الإنسان، وبناء مدن يسكنها، وتوفير الأمن والأمان فضلا عن توفير لقمة العيش التي تملأ بطون الجياع، وتحلية المياه لري العطاشى، حيث كان توجههم دومًا نحو إطعام الجائع وتأمين الخائف، ورعاية أصحاب الحاجات، والعمل على التقدم الحضاري لبلادهم، وذلك من خلال مشاريع بنائية تستوعب الملايين من الأيدي العاملة التي استقطبوها من أكثر من 173 دولة، فجاء الناس من كل حدب وصوب يعملون ويسترزقون في بيئة يسودها الرحمة والعدل والمساواة، وينعمون فيها بنعمة الأمن والأمان، حيث يسير الراكب في صحراء مترامية محروسًا بعناية الله ثم رجال أمن نصبوا أنفسهم وأسهروا أعينهم لتأمين الخائف ورعاية المسافر، وأشهد أن أنوار سيارات رجال الأمن وأصواتها كانت تبعث الأمن والطمأنينة، كلما سافرنا في صحرائها المترامية، وكان ولا يزال حلم الكثيرين في كل بلاد الله المجيء لهذه الأرض الطيبة، والتفيؤ بظلال خيرها، والعيش على ترابها، هم وأسرهم، وقد تشرفت بالمجيء لهذه البلاد وعشت على أرضها وسكنت ديارها ومعي أسرتي وأبنائي، فعشنا مكرمين بين قوم كرام، سواء على الصعيد الرسمي أو المستوى الأسري والاجتماعي فبين أخوة سعوديين عشنا في بيوتيهم أنسونا كل معنى للاغتراب فكانوا لنا الأهل، وكانوا لنا الرفاق، وزاد الطريق، فما وجدنا إلا طيب المعاملة وحسن الخلق، وبيئة محفزة على العمل والإبداع، وأخلاق فاضلة تجدها في مكان وكل مؤسسة تذهب إليها، وقد تعلم أبنائي في مدارسها فأحبوها وسعدوا بها، ولا أخفي أننا جئنا وفي نيتنا سنوات معدود ومحدودة، ولكن أمام هذه الأخلاق الفاضلة، والمعاملة الراقية، فقد عشقنا الأرض والمكان والناس، ولا زلت أذكر كلمة كتبها أحد أبنائي بعدما عاش على هذه الأرض وعاد لمصر، كتب يقول: "عشنا على هذه الأرض، حتى كدنا ننسى أننا مقيمون، فقد شعرنا أننا صرنا شركاء لأهل الديار في كل شيء، بل ونافسناهم في أهم مكتسباتهم في طعامهم وشرابهم، ومدارسهم، وملاعبهم وشوارعهم، ومشافيهم ومتاجرهم، وكنا نرى لأنفسنا حقًا في مشاركتهم ومقاسمتهم، بل كثيرًا ما قدمونا على أنفسهم، وهذا ما كنا لنناله بأنفسنا، بل كرمًا منهم وهبوه فأخذناه". وأشهد أنها كلمات حق يشعر بها كل مقيم على هذه الأرض، ولو أردت أن أسجل مشاهد لحفاوة الاستقبال، وروعة الإقامة، وجمال المعاملة، أعتقد أنني سوف أكتب كثيرا، منذ اليوم الأول الذي شعرنا فيه أننا بين أهل وأخوة وعشيرة، لم نشعر يومًا إلا أننا جزء من هذا النسيج الاجتماعي.