في كل موسمٍ رياضي، تتجدّد الحكاية بين المدرجات والشاشات. حماسٌ جميل يرفع الروح، وانتماءٌ يلوّن الميول، لكنه أحيانًا ينقلب إلى تعصّبٍ يُفسد متعة الرياضة، ويشوّه رسالتها وبين هذا وذاك، يقف الوعي كخطٍ فاصلٍ دقيق، يحدد إن كان التشجيع سلوكًا حضاريًا، أو انزلاقًا نحو الفوضى. التشجيع الرياضي في جوهره قيمة إنسانية راقية، وهو دعمٌ للفريق، واعتزازٌ بالانتماء، ومشاركة وجدانية تجمع أفراد المجتمع على لحظة فرحٍ أو خسارة. المشجع الواعي يدرك أن فريقه قد يفوز أو يخسر، وأن الخسارة جزءٌ أصيل من اللعبة، فيتقبلها بروحٍ رياضية، ويستمر في دعمه دون أن يتحول ذلك إلى إساءةٍ للآخرين. في المقابل، يظهر التعصّب كوجهٍ آخر للتشجيع؛ حيث يتحول الانتماء إلى تعالٍ، والرأي إلى صدام، والخسارة إلى مبررٍ للهجوم والتقليل والتنقيص من الآخرين. هنا لا يعود الهدف هو الاستمتاع بالرياضة، بل إثبات التفوق بأي وسيلة، حتى لو كان الثمن تمزيق العلاقات أو نشر الكراهية. التعصّب لا يصنع انتصارًا حقيقيًا، بل يخلق بيئة مشحونة تُفقد الرياضة قيمتها النبيلة. وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدّة هذا التباين؛ فهي مساحة مفتوحة، تتيح للمشجع الواعي أن ينشر ثقافة الاحترام، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى ساحةٍ للتراشق اللفظي وتضخيم الخلافات، وهنا تتضاعف مسؤولية الفرد؛ لأن الكلمة لم تعد عابرة، بل مؤثرة وقادرة على إشعال أو تهدئة المواقف. إن تعزيز ثقافة التشجيع الواعي يبدأ من الأسرة، ويتعزز في المدرسة، وتدعمه المؤسسات الرياضية والإعلام. فحين يُربّى النشء على احترام المنافس، وتقدير الجهد، وفهم أن الرياضة أخلاق قبل أن تكون نتائج، سنجد أن المدرجات تصبح أكثر جمالًا، والمنافسة أكثر شرفًا. التشجيع الواعي لا يعني برود المشاعر، بل يعني ضبطها، لا يلغي الحماس، بل يهذّبه، وهو القادر على تحويل الرياضة من مجرد منافسة إلى رسالةٍ إنسانية تجمع ولا تفرّق، تبني ولا تهدم ، وهنا سؤال أوجهه لكل مشجع: هل أنت تدعم فريقك، أم تحارب الآخرين باسمه؟ وكلنا في خدمة الوطن.