لا تقاس المدن والمناطق بما تشيده من عمران فحسب، بل بما تفتحه في الوعي من نوافذ، وبما تمنحه لأبنائها من قدرة على الإصغاء إلى العالم وقراءة الذات والآخر. ومن هذه الزاوية، يكتسب تصدر منطقة جازان معدلات القراءة على مستوى المملكة دلالة ثقافية عميقة تتجاوز حدود الرقم، لتكشف عن شغف معرفي ينمو في بيئة عرفت منذ القدم صلتها بالكلمة والشعر والحكاية والبحر والجبل. وبحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2025، جاءت جازان في صدارة معدلات القراءة بين مناطق المملكة، إذ قرأ نحو 76 % من سكانها كتاباً واحداً على الأقل خلال العام، في مؤشر يعكس حضور القراءة في الحياة اليومية للمنطقة، ويمنح هذا التفوق بعداً ثقافياً يتصل بعمق الوعي المحلي واتساع علاقته بالمعرفة. فجازان، التي تتنوع تضاريسها بين السهل والساحل والجبل والجزر، لا تبدو بعيدة عن روح القراءة؛ إذ تحمل في ذاكرتها الشعبية والإنسانية مخزوناً واسعاً من السرد الشفهي، والأهازيج، والموروث، والشعر، والأسواق القديمة، والحكايات التي تناقلتها المجالس والقرى والبيوت. لذلك فإن ارتفاع مؤشر القراءة فيها لا يأتي بوصفه ظاهرة طارئة، بل امتداداً لمسار طويل من علاقة الإنسان الجازاني بالكلمة، سواء كانت منطوقة في مجالس الرواة، أو مكتوبة في صفحات الكتب. وتمنح القراءة المجتمع قدرة على توسيع مخيلته، وتعميق وعيه، وصناعة أسئلته الخاصة. فهي لا تضيف إلى الفرد معرفة عابرة، بل تعيد تشكيل نظرته إلى الحياة، وتفتح أمامه أفقاً أوسع لفهم التاريخ والهوية والإنسان. وفي منطقة مثل جازان، الغنية بموروثها الثقافي وتعدد بيئاتها ولهجاتها وفنونها، يصبح الكتاب امتداداً طبيعياً لذاكرة المكان، ووسيلة لحفظه وإعادة قراءته في ضوء الحاضر. كما يعكس هذا الحضور القرائي حاجة متزايدة إلى فضاءات ثقافية تحتضن القارئ والكاتب معاً؛ من مكتبات عامة وحديثة، ومقاهٍ ثقافية، وأندية قراءة، ومعارض كتب، ولقاءات أدبية، إلى برامج تستثمر هذا الشغف في ربط الأجيال الجديدة بتاريخ منطقتهم وتراثهم الإبداعي. فالقراءة لا تزدهر في العزلة وحدها، بل تحتاج إلى بيئة تصنع الحوار، وتفتح المجال للأسئلة، وتمنح الكتاب حضوره اليومي في حياة الناس. إن تصدر جازان لمعدلات القراءة لا يعني أنها قرأت كتاباً واحداً في عام فحسب، بل يعني أن في الوعي المحلي قابلية واسعة للمعرفة، وأن في المكان طاقة ثقافية تستحق أن تتحول إلى مشاريع ومبادرات ومواسم أدبية تعكس خصوصيته. فالكتاب في جازان ليس صفحة صامتة، بل صدى لذاكرة البحر، ونبرة من الجبل، وامتداد لحكاية إنسان ظل يرى في الكلمة وسيلة للبقاء والفهم والجمال.