بين الشراء والتصنيع، انتقل قطاع الصناعات العسكرية من دور المستهلك، إلى موقع الشريك في الإنتاج. كانت المملكة تعد الأكبر في المنطقة في الإنفاق العسكري، ولا تتجاوز صناعتها في هذا المضمار 4%، المفارقة لم تكن في حجم الإنفاق، بل في وجهته، ما تغيّر خلال سنوات قليلة لا يمكن وصفه كنمو تدريجي؛ بل إعادة تشكيل كاملة للقطاع، نقلته من نموذج يعتمد على الشراء، إلى نموذج يسعى لامتلاك القدرة. التحولات الكبرى لا تُقاس بالنوايا، بل بنتائجها. وهنا تظهر الصورة بوضوح؛ إذ ارتفعت نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى نحو 24.89% بنهاية عام 2024، متجاوزةً المستهدفات المرحلية، وفق التقرير السنوي لرؤية 2030 الصادر مؤخرا. هذا الرقم لا يُقرأ كنسبة مجردة، بل كتحول فعلي؛ إذ يعني أن ما يقارب ربع الإنفاق العسكري لم يعد يغادر الاقتصاد، بل يُعاد تدويره داخليا عبر التصنيع والخدمات وسلاسل الإمداد المرتبطة بها. لكن الأهم من النسبة هو ما يقف خلفها. لأن التوطين لا يُبنى بالأرقام فقط، بل بالبنية. خلال سنوات قليلة، تجاوز عدد المنشآت العاملة في قطاع الصناعات العسكرية 300 منشأة. هذا التوسع لا يعني مجرد زيادة عدد المصانع، بل بناء منظومة صناعية متكاملة تمتد من التصنيع إلى الصيانة والدعم الفني والخدمات اللوجستية. وتتضح ملامح هذا التحول أكثر عند النظر إلى طبيعة ما يُصنّع داخل المملكة. لم يعد الأمر مقتصرا على الأعمال المساندة، بل امتد إلى تصنيع أنظمة مرتبطة بمنظومات دفاعية متقدمة، مثل بعض مكونات منظومة «ثاد» و«باتريوت»، إضافة إلى أعمال الصيانة والإصلاح والتحديث. هذه الخطوات تعكس انتقالا من الاستهلاك إلى المشاركة في سلسلة القيمة التقنية. وما يجعل هذا الانتقال ذا معنى أعمق هو أثره في الداخل؛ كل توسع في التصنيع العسكري يعني فرصًا لمهندسين سعوديين، ونموا لشركات محلية، وتراكما لخبرات فنية لم تكن متاحة بهذا الاتساع. ما يحدث هنا ليس توطين إنفاق فحسب، بل توطين معرفة وهذا هو الرهان الحقيقي. وضعت الرؤية السعودية المباركة هدفا واضحا، وهو تجاوز 50% من توطين الإنفاق العسكري بحلول عام 2030. وهو هدف يعيد توجيه هذا الإنفاق ليصبح جزءا من الدورة الاقتصادية الداخلية، بما يعزز نقل التقنية، ويوسّع القاعدة الصناعية، ويرفع كفاءة المحتوى المحلي. ما عززته الرؤية السعودية، أن التوطين ليس توجها اختياريا، بل حتمية تنموية شاملة تطور وتمكن الكفاءات البشرية السعودية في مختلف مفاصل الاقتصاد، وباتت عمليات نقل المعرفة وتطوير الكفاءات وبناء المحتوى المحلي، جزءا مهما وحيويا في ديمومة واستدامة القوة الاقتصادية والتنموية. لقد كنا نراوح عند 4%، وبنهاية عام 2024 نقترب من 25%، والنسبة في تصاعد، منجز اقتصادي مميز، تم في أقل من عقد، وهذا يبين أن هناك منظومة تستهدف صناعة القوة.