تحول نوعي في بنية سوق العمل حين تتحدث المملكة اليوم عن "المحتوى المحلي"، فهي لا تتحدث عن بندٍ في كراسة الشروط، بقدر ما تتحدث عن اقتصادات مناطق تتشكّل من جديد، حيث تفتح المصانع قرب مواقع الطلب، وموردون محليون يقتربون من سلاسل الإمداد، ووظائف نوعية تنتقل من كونها فرصًا موسمية إلى مسارات مهنية مستقرة. والفكرة ببساطة كل ريال يُعاد توجيهه إلى المنتج والخدمة داخل المملكة لا ينعكس على الاقتصاد الوطني كعنوان عام فقط، بل يترك أثره المباشر في المدن والمحافظات، حيث تنشط المنشآت، وتتسع دائرة الدخل، وتزداد قدرة المناطق على الاحتفاظ بالقيمة بدل تسربها للخارج. وتكشف مؤشرات الأداء الحديثة عن حجم هذه الحركة الاقتصادية داخل المناطق، إذ بلغت نسبة المحتوى المحلي في الإنفاق النهائي للقطاع غير النفطي 55.8 % خلال 2024 بما يعادل أكثر من 1.23 تريليون ريال، مقارنةً بنحو 1.11 تريليون ريال في 2023، في دلالة على اتساع الاعتماد على المنتجات والخدمات المحلية في دورة الإنفاق غير النفطي. وأكثر ما ينعش اقتصادات المناطق هو وجود طلب حكومي مضمون، واسع النطاق، وطويل الأجل؛ إذ تتحول المشتريات الحكومية، حين تُدار بمنطق المحتوى المحلي، من مجرد قناة إنفاق إلى رافعة تنموية تعيد توزيع الفرص على خارطة المملكة. وتشير مؤشرات الأداء لعام 2024 إلى أن نسبة المحتوى المحلي في المنافسات الحكومية بلغت 47.43 %، متجاوزة المستهدف السنوي البالغ 46 %، في دلالة على أن سياسات التوطين لم تعد استثناءً تنظيميًا، بل أصبحت ممارسة سائدة في آليات الشراء العام. كما بلغت نسبة تغطية تطبيق أدوات وسياسات المحتوى المحلي نحو 94.07 % من حيث القيمة الإجمالية للمنافسات، وهو ما يعني أن الغالبية العظمى من المشاريع المطروحة تمر عبر معايير واضحة تُفضّل الجاهزية المحلية، وتكافئ الاستثمار في الكفاءة الوطنية. وعندما تُدار المنافسات بهذا المنهج، تصبح المناطق كلٌ وفق ميزتها النسبية أقرب للاستفادة المباشرة. فالمدن الكبرى تستوعب مشاريع المقاولات والخدمات الهندسية المتقدمة، بينما تنشط المحافظات في الخدمات التشغيلية وسلاسل التوريد، وتبرز المراكز القريبة من مواقع المشاريع كمحطات لوجستية وتموينية تدعم التنفيذ اليومي. ووفق بيانات الأداء، بلغت قيمة المنافسات الحكومية المطروحة عبر منصة «اعتماد» نحو 336.3 مليار ريال بنهاية 2024، فيما قُدّر إسهام المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية بنحو 71.96 مليار ريال. وهذه الأرقام لا تعكس حجم الإنفاق فحسب، بل تشير إلى توزيع فعلي للفرص، لأن التنفيذ يتم داخل المناطق، وعلى أراضيها، وبأيدي منشآتها، ما يعزّز بقاء القيمة الاقتصادية محليًا. ومع تراكم هذه الممارسات، يتشكّل أثر مضاعف يتجاوز العقد ذاته، وظائف مستقرة، وخبرات محلية، واستثمارات لاحقة في التدريب والجودة. وهو ما يحوّل المشتريات الحكومية إلى أداة توازن إقليمي تُسهم في بناء اقتصادات مناطق أكثر قدرة على الاستدامة والنمو. «أثر مضاعف» والأثر الأهم في قراءة أعمق لأثر المحتوى المحلي على اقتصادات المناطق، يتبيّن أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بلحظة ترسية العقد، بل بما يتولد عنه من حراك اقتصادي طويل النفس يعيد تشكيل البيئة الإنتاجية في المكان نفسه. فالمشروع، حين يُنفّذ بمعايير توطين واضحة، لا ينتهي بتسليم الأعمال، بل يفتح دورة ممتدة تشمل التشغيل والصيانة، وتوفير قطع الغيار، والخدمات الفنية، والدعم اللوجستي، ثم يتطور تدريجيًا إلى تصنيع محلي جزئي أو كامل، وصولًا إلى دخول موردين جدد يوسّعون قاعدة السوق. وهذه السلسلة المتراكمة هي ما يُعرف اقتصاديًا بالأثر المضاعف، حيث تتحول قيمة واحدة إلى نشاطات متعددة، وتنتقل من كونها إنفاقًا مباشرًا إلى منظومة إنتاج مستدامة داخل المنطقة. ويُعد قطاع الطاقة من أكثر القطاعات التي تُظهر هذا الأثر بوضوح، نظرًا لطبيعة مشاريعه طويلة الأجل وكثيفة رأس المال. واللافت، من زاوية تنمية المناطق، أن نمو منظومة الموردين لم يُحصر في مركز واحد، بل ارتبط بمواقع استراتيجية محددة، تمتد من مدينة جازان الاقتصادية جنوبًا إلى مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية شرقًا. وهذا الربط المكاني بين المشروع وسلسلة الإمداد يُحوّل المنطقة من موقع تنفيذ إلى منصة إنتاج وتوطين معرفة، تنشأ فيها مهارات جديدة، وتُبنى فيها خبرات تراكمية، وتستقر فيها منشآت قادرة على الاستمرار والتوسع. ومع مرور الوقت، توجد هذه المنصات المحلية بيئة أعمال أكثر نضجًا، تجذب استثمارات لاحقة، وتُرسخ الثقة في قدرة المناطق على استضافة مشاريع صناعية وخدمية متقدمة. وهنا يتجلى المحتوى المحلي بوصفه أداة لإعادة توزيع التنمية، لا عبر نقل الموارد، بل عبر بناء قدرات حقيقية تجعل من كل منطقة شريكًا فاعلًا في الاقتصاد الوطني، لا مجرد ساحة تنفيذ عابرة. «توسيع الفرص» وفي مسار بناء اقتصادات المناطق، يتأكد أن النمو الحقيقي لا يتحقق بمجرد تدفق رؤوس الأموال أو تنفيذ المشاريع الكبرى، بل عندما تتوافر منشآت صغيرة ومتوسطة قادرة على استيعاب الفرص وتحويلها إلى نشاط اقتصادي متكرر ومستدام. فهذه المنشآت تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث قدرتها على الانتشار الجغرافي والعمل قرب الأسواق والمشاريع، بما يجعلها الأداة الأهم لترسيخ القيمة داخل المناطق. وتعزز هذا الفهم نتائج تحديثات الحسابات القومية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، والتي أظهرت أن تقديرات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023 بعد التحديث بلغت نحو 4.5 تريليون ريال، مع ارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 53.2 %. ولفتت الهيئة صراحة إلى أن جزءًا مهمًا من هذا التحسن يعود إلى تحسين قياس أنشطة المنشآت الصغيرة والمتوسطة مقارنة بالتقديرات السابقة، وهو ما أعاد تمثيل وزنها الحقيقي في الاقتصاد الوطني. ولا تقف دلالة هذه الأرقام عند المستوى الكلي، بل تمتد مباشرة إلى اقتصاد المناطق. فبحسب بيانات الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) حتى عام 2024، تمثل المنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو 99% من إجمالي منشآت القطاع الخاص في المملكة، وتستوعب ما يزيد على 6.5 ملايين وظيفة، غالبيتها موزعة خارج المراكز الحضرية الكبرى. كما ارتفعت مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي إلى قرابة 30 %، مقارنة بنحو 20 % قبل أعوام قليلة، في مسار تصاعدي يستهدف الوصول إلى 35 % بحلول 2030. وهذه المؤشرات تعني أن توسع النشاط غير النفطي لا يتم عبر قنوات مركزية فقط، بل من خلال شبكة واسعة من المنشآت المحلية التي تنمو حول المشاريع، وتتكيف مع احتياجات المناطق، وتعيد تدوير الدخل داخل مجتمعاتها. وعندما تُدعَم هذه المنشآت بسياسات المحتوى المحلي، فإنها لا تكتفي بالتنفيذ، بل تنتقل تدريجيًا إلى التوسع والتخصص وإيجاد وظائف نوعية، ما يمنح المناطق قدرة أعلى على الاحتفاظ بالقيمة الاقتصادية وبناء قاعدة إنتاج مستقرة. وبهذا المعنى، تصبح المنشآت الصغيرة والمتوسطة محرّكًا صامتًا لكنه حاسم في تنمية المناطق، تنقل الاقتصاد من الاعتماد على تدفقات مؤقتة إلى نموذج نمو قائم على الإنتاج المحلي، والانتشار الجغرافي، والاستدامة طويلة المدى. «معدلات تنموية» وعندما يرتفع مستوى المحتوى المحلي في الاقتصاد السعودي، لا ينعكس ذلك على زيادة عدد الوظائف فحسب، بل يقود إلى تحول نوعي في بنية سوق العمل داخل المناطق. وقد أظهرت البيانات الرسمية أن نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية ارتفعت من نحو 33 % في 2020 إلى قرابة 47 % في 2024، مع استهداف بلوغ 50 % خلال 2025، وهو ما يعكس توجّهًا مؤسسيًا واضحًا لتعظيم أثر الإنفاق العام داخل الاقتصاد الوطني. وهذا التحول أسهم في نشوء فرص مهنية متخصصة داخل مواقع التنفيذ نفسها، بدل تركّز الوظائف في المدن الكبرى. ومع توسع المشاريع، برز طلب متزايد على كوادر تشغيل وصيانة، وفحص جودة، وإدارة سلاسل إمداد، وإدارة مشاريع، وهي وظائف تتطلب مهارات تقنية وإدارية يمكن تطويرها محليًا عبر التدريب أثناء العمل. ومع الوقت، تشكّلت ما يمكن تسميته بمدارس خبرة محلية، تنتج فنيين، ومراقبي جودة، ومشرفي سلامة، وسائقي معدات، ومحاسبي عقود، بما يعزز تراكم الخبرة داخل المنطقة نفسها. وهذا التوزيع الوظيفي يسهم في رفع الدخل المحلي، ويحد من الهجرة الوظيفية نحو المراكز الحضرية الكبرى. والأثر يمتد اقتصاديًا إلى تنشيط تجارة التجزئة والخدمات، ورفع الطلب على السكن والنقل والأنشطة اليومية، خصوصًا مع تطبيق أدوات المحتوى المحلي في أكثر من 94 % من المنافسات الحكومية من حيث القيمة خلال 2024. وفي المحصلة، يمثّل المحتوى المحلي رافعة تنموية متكاملة تجمع بين النمو الاقتصادي، وتوطين الخبرات، وتعزيز الاستقرار المجتمعي، بما ينسجم مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد وخلق وظائف نوعية مستدامة. «توازن إقليمي» في عام 2025 أصبح المحتوى المحلي في المملكة أكثر من مجرد تحسين نسب رقمية؛ بل بات ركيزة استراتيجية لإعادة توازن الاقتصاد الوطني عبر المناطق، من خلال توجيه إنفاق القطاع الحكومي الكبير نحو السلع والخدمات المحلية، وربط ذلك بسلاسل إمداد طويلة الأجل تُعزّز الإنتاج المحلي وتخلق قيمة مستدامة داخل حدود المملكة. وتُظهر بيانات هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية أن قيمة المنافسات الحكومية التي تضمنت بنودًا مدرجة في القائمة الإلزامية للمحتوى المحلي بلغت نحو 336.3 مليار ريال في 2025، بينما تجاوزت قيمة المنافسات ضمن القائمة الإلزامية 67.6 مليار ريال، مؤدية إلى زيادة الاعتماد على المنتج الوطني. وقد شهدت الآليات التنظيمية تطورًا ملحوظًا خلال 2025، حيث أدرجت الهيئة 105 منتجات وطنية جديدة ضمن القائمة الإلزامية لسبعة قطاعات استراتيجية تشمل الأدوية، والمستلزمات الطبية، والنقل، والخدمات اللوجستية، وتقنية المعلومات، بإجمالي إنفاق حكومي متوقع يزيد على 2.3 مليار ريال، ما يعكس اتساع نطاق سياسات التوطين لتشمل صناعات حيوية متعددة. وتعكس هذه السياسات تطورًا في منهجية قياس وتطبيق المحتوى المحلي؛ إذ تتيح الهيئة للمنشآت الخليجية تقدير نسبة محتواها المحلي للمنافسة في المشاريع الحكومية، وتعزز إدراج المنتجات الوطنية عبر شهادات موثوقة ومؤشرات أداء واضحة، بما يدعم توطين المعرفة والتقنية ويخلق طلبًا مستقرًا على المصانع الوطنية. ترتبط هذه الجهود بشكل مباشر بأهداف رؤية السعودية 2030 في بناء قاعدة إنتاجية وطنية قوية وتقليل الاعتماد على الواردات، وذلك من خلال تكامل الطلب الحكومي وسلاسل الإمداد المحلية؛ ما يسهم في خلق وظائف نوعية، وزيادة الاستثمارات في المصانع المحلية، وتعزيز مشاركة الشركات السعودية في قيمة الإنفاق العام. وبالتالي لا يمكن فهم المحتوى المحلي في 2025 كرقم فقط، بل كأداة سياسية واقتصادية تُعيد توزيع الفرص الإنتاجية والتنموية على خارطة المملكة، وتبني أساسًا متينًا لاقتصاد مزدهر ومستدام في العقود القادمة.