- الرأي - إبراهيم القصادي - الطائف : ليست الطائف مدينة تُزرع فيها الورود فحسب، بل هي مساحة اقتصادية تُدار على إيقاع الفجر، حيث يبدأ كل يوم قبل شروق الشمس سباقًا صامتًا مع الزمن لصناعة واحدة من أندر وأغلى الروائح في العالم: دهن الورد الطائفي. في مرتفعات الهدا والشفا ووادي محرم والوهط والوهيط ووادي ليّة وبلاد طويّرق، تنتشر أكثر من 910 مزارع تضم ما يزيد على 1.14 مليون شجيرة ورد مزروعة على مساحة تقارب 270 هكتارًا. وخلال موسم لا يتجاوز 45 يومًا بين شهري مارس وأبريل، تُقطف قرابة 550 مليون وردة، في عملية دقيقة لا تحتمل التأخير، لأن كل ساعة إضافية تعني خسارة جزء من النقاء العطري. هذا الإنتاج الهائل لا يُقاس بعدد الورود، بل بما يتحول إليه بعد التقطير. فهذه الملايين من الأزهار تُختزل في نحو 20 ألف تولة فقط من دهن الورد الطائفي، حيث تحتاج التولة الواحدة إلى ما يقارب 12 ألف وردة تُقطف يدويًا في ساعات الفجر الأولى، ثم تُنقل فورًا إلى معامل التقطير لتُعالج خلال أقل من 24 ساعة، حفاظًا على أعلى درجات الصفاء والتركيز. هنا تتجلّى خصوصية الورد الطائفي: ليس مجرد محصول موسمي، بل صناعة عالية القيمة، تتداخل فيها الزراعة مع الحرفية، والوقت مع الدقة، والتقاليد مع الاقتصاد، لتنتج زيتًا عطريًا يُنافس أرقى العلامات العالمية ويمنح الطائف موقعها الفريد على خارطة العطور الراقية. ‹ › ×