تسعى المملكة العربية السعودية في عهد الملك سلمان بخطى سريعة لتحويل صناعة الدفاع من بند إنفاق خارجي إلى رافعة صناعية واقتصادية محلية، مع هدفٍ مُعلن بتوطين أكثر من 50 % من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030. ووفق الهيئة العامة للصناعات العسكرية، فقد بلغ معدل التوطين 19.35 % بنهاية 2023، مع تسارعٍ واضح في 2024 و2025 عبر صفقات نقل تقنية وإطلاق خطوط إنتاج داخلية. وبلغ حجم الإنفاق خُصِّص نحو 78 مليار دولار للقطاع العسكري في ميزانية 2025 (نحو 21 % من الإنفاق العام، قرابة 7 % من الناتج المحلي)، بما يدعم عجلة التوطين وبناء القدرات. وقد اختُتم معرض الدفاع العالمي 2024 في الرياض بتوقيع 61 عقد شراء بقيمة 26 مليار ريال، وهو مؤشر على تنامي سلاسل الإمداد المحلية والشراكات الصناعية. وموقع المملكة في التجارة الدفاعية رغم تخفيض الواردات قياسًا بفترات سابقة، ما تزال المملكة العربية السعودية بين كبار المستوردين عالميًا؛ وكانت ثاني أكبر مستورد في 2019-2023 (حصة 8.4 %)، مع هبوطٍ بنسبة 28 % عن الذروة السابقة، بالتوازي مع مسار إنشاء قاعدة تصنيع محلية. وفي تحديثات 2025، باتت المملكة ضمن أكبر خمسة مستوردين في 2020-2024 مع تغير في حصص الموردين. والحوكمة والجهات القائدة هي الهيئة العامة للصناعات العسكرية والمنظّم والمُمكِّن والمرخِّص للقطاع؛ وتقود برامج التوطين، وسوق سلاسل الإمداد، وبرنامج المشاركة الصناعية الذي يلزم الشركات الأجنبية بخطط نقل تقنية ومحتوى محلي. كما تدير البوابة الموحّدة لإصدار التراخيص (تصنيع، خدمات عسكرية، توريد). الشركة السعودية للصناعات العسكرية "سامي"الذراع الصناعي المملوك لصندوق الاستثمارات العامة، وتضم تحتها الشركة المتقدمة للإلكترونيات بعد الاستحواذ الكامل، لتوسيع قدرات الإلكترونيات والرادارات والاتصالات العسكرية. «صناعات عسكرية» وانطلاقًا من أهمية قطاع الصناعات العسكري في المملكة ودوره في الأمن الوطني، وتماشيًا مع رؤية المملكة 2030 التي تستند أحد محاورها على الاقتصاد المزدهر، أصدر مجلس الوزراء الموقر قراراً بتأسيس الهيئة العامة للصناعات العسكرية في ذو القعدة من العام 1438ه الموافق شهر أغسطس من العام 2017م، لتصبح بدورها الجهة المُشرعة لقطاع الصناعات العسكرية في المملكة العربية السعودية، والمسؤولة عن تنظيمه وتطويره ومراقبة أدائه وتأتي الهيئة لتعمل بشكل تكاملي مع كافة شركائها من القطاعين العام والخاص لدعم مسيرة توطين وتطوير قطاع الصناعات العسكرية، ولتعزيز قدرات التصنيع العسكرية الوطنية، والتي من شأنها أن تساهم في تحقيق مستهدفات التوطين، وليصبح أحد روافد الاقتصاد الوطني، ليساهم بشكل مباشر في الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2030م. بهذا عملت المملكة العربية السعودية على ضرورة توطين أكثر من 50 % من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030. وهذا الهدف لم يكن مجرد شعار، بل انطلق من قناعة وطنية بأن الأمن الوطني لا يكتمل إلا بالاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، وتحويل هذا القطاع من عبء مالي إلى رافد اقتصادي وصناعي. وربطت المملكة بين التوطين الصناعي وتنمية الكفاءات البشرية، فتم تأسيس برامج تدريب وتأهيل للمهندسين والفنيين السعوديين للعمل في خطوط الإنتاج. ودخلت الجامعات السعودية على خط المشاركة عبر برامج أبحاث متخصصة في الطيران والدفاع والذكاء الاصطناعي العسكري. بهذه الخطوات، نجحت المملكة في تحويل التصنيع العسكري من مجرد مستورد يعتمد على الخارج إلى أحد أعمدة التوطين الصناعي، جامعًا بين تحقيق الأمن الوطني وبناء اقتصاد متنوع يتماشى مع أهداف رؤية 2030 «شراكات عالمية» وانطلق التصنيع العسكري السعودي بمشاركات عالمية، باعتباره أحد أعمدة استراتيجية التوطين، ومبدأ المشاركة الصناعية الذي نهجته المملكة لم يكتفي بصفقات شراء جاهزة، بل يلزم الشركات العالمية عبر برنامج المشاركة الصناعية بنقل التقنية، وتأسيس خطوط إنتاج محلية، وتوظيف سعوديين ضمن سلاسل الإمداد. وهذا يضمن أن كل عقد دولي يترك أثرًا دائمًا داخل الاقتصاد المحلي. ومن أبرز الشراكات والمشاريع الصناعية داخل المملكة التي تُركّز على تصنيع وتجميع وصيانة منظومات عسكرية متقدمة للطائرات وقطع غيارها، إنشاء وتوسيع قدرات الصيانة والإصلاح والعَمرة للطائرات ثابتة الجناح والعمودية عبر شراكات «سامي» وشركات الطيران والدفاع العالمية، مع أهداف نقل تقنية ورفع نسب التوطين في المكونات وقطع الغيار. وتم إنشاء مركز دعم المروحيات كمشروع مشترك مع شركاء عالميين لتقديم صيانة متقدمة للمروحيات داخل المملكة وتطوير سلاسل الإمداد المحلية. وعمل شراكات مع شركات صناعات جوية كبرى لتوطين التجميع ومكونات إلكترونيات الطيران والأنظمة الملاحية والاتصال بالأقمار الصناعية عبر ذراع الإلكترونيات المتقدمة. كما تم عقد تفاهمات صناعية مع مصنع طائرات مروحيات عالمي تتضمن تجميع مروحيات وتوطين مكونات هياكل ودفاع إلكتروني ورادارات داخل المملكة. وتأسيس برامج دعم وتشغيل وصيانة لأسطول الطائرات القتالية مع نقل خبرات إصلاح وتجديد محلياً عبر شركات تجميع وصيانة وطنية. وفي صناعة الصواريخ والذخائر، تم تأسيس شراكات عالمية مشتركة بين SAMI وشركة صواريخ عالمية لتوطين تصنيع وصيانة منظومات صاروخية (منها عائلة CAMM)، مع برامج نقل معرفة وقدرات تصميم وإنتاج تدريجي. وفي مجال الأنظمة البحرية هناك (مشروع مشترك) لتطوير ودمج أنظمة إدارة القتال HAZEM/HAZEM Lite وبناء قدرات تكامل الأنظمة القتالية محلياً للسفن، مع حزم نقل تقنية وتدريب. الأنظمة البرية والدعم اللوجستي واتفاق SAMI – Amentum لتعزيز الصيانة والتحديث لمنظومات برية وتوطين قطع الغيار وعمليات الإصلاح داخل المملكة. وحول الممكنات والمنصات القطاعية، فالهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) قادت في World Defense Show 2024 توقيع عشرات العقود بقيمة تتجاوز 26 مليار ريال، جزء كبير منها يركّز على التوطين والتصنيع المحلي وسلاسل التوريد الوطنية. ومشاركة «سامي» بصفة الشريك الاستراتيجي للمعرض وتأكيد توجّه التوطين حتى 50 % من الإنفاق العسكري، مع إعلانات دورية عن اتفاقات نقل تقنية وتوسيع قاعدة الموردين المحليين. والمشهد الصناعي العسكري داخل المملكة مبشر بالخير بفضل الله ثم بجهود القيادة الرشيدة في توطين قطاع صناعة التسليح. «مشروع استراتيجي» وتوطين صناعة التسليح العسكري في المملكة ليس مجرد مشروع صناعي، بل هو مشروع استراتيجي متعدد الأبعاد. ومن خلال هذا التقرير نوجز الأثر في محاور رئيسية: أولا: الأثر الإيجابي لتوطين صناعة التسليح العسكري في المملكة، تعزيز السيادة الوطنية والأمن الاستراتيجي، فالتوطين يمنح المملكة قدرة مستقلة على تلبية احتياجاتها الدفاعية دون ارتهان للموردين الخارجيين أو الضغوط السياسية. ويرفع مستوى الجاهزية العسكرية من خلال سرعة الصيانة والإنتاج محليًا بدل الانتظار لفترات طويلة في الاستيراد. ثانيا: يسهم نقل التقنية وبناء الخبرات المحلية بإلزام الشركات العالمية بنقل التقنية، فأصبحت المملكة تمتلك معرفة تقنية متقدمة في مجالات الطيران، الدفاع الجوي، الذخائر، والأنظمة البحرية. وهذا يسهم في تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية على أحدث الصناعات الدفاعية، ما يرفع مستوى المهارة والإبداع لدى الشباب السعودي. ثالثاً: الأثر الاقتصادي والتنمية الصناعية فخفض فاتورة الإنفاق على استيراد السلاح يتم عبر إنتاج نسبة كبيرة منه محليًا. وخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في الهندسة، الصيانة، البحث والتطوير. ودعم نمو قطاع صناعي جديد يُسهم في تنويع مصادر الدخل بما يتماشى مع رؤية 2030. رابعاً: توطين صناعة السلام تعزيز مكانة المملكة عالميًا، فالتوطين يجعل المملكة مركزًا إقليميًا للصناعات الدفاعية في الشرق الأوسط. ويفتح الباب أمام تصدير بعض المنتجات الدفاعية للدول الصديقة، ما يعزز النفوذ السياسي والاقتصادي للمملكة. خامساً: قعد من شأن الابتكار والبحث العلمي دخول الجامعات ومراكز الأبحاث السعودية في مشاريع عسكرية متقدمة يعزز منظومة الابتكار. وتطوير حلول دفاعية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، الطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية. وتنويع الشركاء، وعدم الاعتماد على مورد واحد بالانفتاح على عدة دول مثل: (أمريكا، تركيا، كوريا، إسبانيا، فرنسا) يخفف من المخاطر السياسية. وهنا يتحقق الأثر الإيجابي لتوطين صناعة التسليح العسكري في المملكة حيث يجمع بين تعزيز الأمن الوطني وبناء اقتصاد متنوع وتمكين الشباب السعودي، وهو ما يجعل هذا القطاع الاستراتيجي أحد أعمدة النهضة الجديدة التي تقودها المملكة في ظل رؤية 2030. «تحديات وإصرار» لا شك أن توطين صناعة التسليح العسكري بالمملكة يعد أحد أهم مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث وضعت المملكة هدفًا استراتيجيًا يتمثل في توطين أكثر من 50 % من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030. وهذا التوجه لا يأتي فقط كخيار اقتصادي، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان السيادة الوطنية والأمن الدفاعي. ومع ذلك، يواجه المشروع الوطني لتوطين الصناعة العسكرية عددًا من التحديات التي يجري التعامل معها بخطط طموحة وإصرار واضح من القيادة. فالتحديات الرئيسة أمام التوطين كثيرة منها أولاً: التقنية المعقدة ونقل المعرفة، فالصناعات العسكرية تعد من أكثر الصناعات تعقيدًا وحساسية على مستوى العالم، ما يجعل عملية نقل التقنية والمعرفة من الشركاء الدوليين إلى الداخل مهمة تتطلب وقتًا طويلًا واستثمارات ضخمة. ثانياً: بناء الكفاءات البشرية، فرغم وجود قاعدة شبابية مؤهلة، فإن التحدي يكمن في تأهيل وتدريب أعداد كافية من المهندسين والفنيين المتخصصين في مجالات دقيقة مثل أنظمة الرادار، الإلكترونيات الدفاعية، وتقنيات الطيران. ثالثاً: كان الاعتماد السابق على الاستيراد لفترة طويلة اعتمدت المملكة على استيراد منظوماتها الدفاعية، وهو ما يجعل التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج المحلي عملية تدريجية تتطلب إعادة بناء سلاسل الإمداد والبنية التحتية الصناعية. رابعاً: البحث والتطوير، فالصناعات العسكرية تقوم على الابتكار المستمر، والانتقال من مجرد التصنيع بالتجميع إلى التطوير والابتكار المحلي يستلزم استثمارات ضخمة في مراكز الأبحاث والجامعات. خامساً: المنافسة العالمية، فالسوق العالمي للصناعات الدفاعية يشهد منافسة شرسة من شركات كبرى تمتلك خبرات تمتد لعقود، ما يضع تحديًا إضافيًا أمام الشركات الوطنية الناشئة لتحقيق موطئ قدم. ومن خلال الشواهد والإصرار على التوطين، فتشير بيانات الهيئة العامة للصناعات العسكرية إلى أن الإنفاق الدفاعي المحلي نما بنسبة تتجاوز 20 % سنويًا خلال الأعوام الأخيرة، وهو مؤشر واضح على التحول نحو التصنيع المحلي. «اكتمال المستهدفات» وقد حققت الشركة السعودية للصناعات العسكرية «سامي» نموًا متسارعًا، حيث دخلت قائمة أكبر 100 شركة صناعات دفاعية في العالم خلال أقل من خمس سنوات من تأسيسها. وارتفعت نسبة توطين عقود المشتريات الدفاعية إلى ما يزيد عن 15% في 2023، مقارنة بأقل من 5 % عند انطلاق رؤية 2030، مع مستهدفات للوصول إلى 50 % بحلول 2030. وتم تدريب وتأهيل آلاف الشباب السعودي في تخصصات عسكرية وصناعية متقدمة عبر برامج محلية ودولية، وهو ما يعكس الرهان على رأس المال البشري الوطني. ورغم كل التحديات المرتبطة بتعقيد التقنية، الحاجة لتأهيل الكفاءات، والاعتماد السابق على الاستيراد، فإن المملكة تؤكد -عبر الأرقام والشواهد- أنها ماضية في مسارها الاستراتيجي لتوطين الصناعات العسكرية. فالإصرار الوطني لا يقوم على خيار بديل، بل على قناعة بأن التوطين هو الضمان الحقيقي للأمن والسيادة، وركيزة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، يجعل المملكة لاعبًا محوريًا في هذه الصناعة الحيوية إقليميًا وعالميًا. التصنيع الدفاعي في المملكة يقوم على "شراكات استراتيجية" تُحوّل الصفقات من مجرد شراء إلى مشاريع تصنيع محلي، تمكّن السعودية من امتلاك المعرفة والسيادة الصناعية، وتجعلها لاعبًا إقليميًا في صناعة السلاح. «من الاستيراد للإنتاج» وما يشغل المتابعين لمسيرة رؤية السعودية 2030 في قطاع الصناعات العسكرية. سؤال هو: هل تصبح المملكة لاعباً إقليمياً قادماً في صناعة السلاح، والجواب من مؤشرات الحاضر أن المملكة وضعت هدفًا استراتيجيًا واضحًا يتمثل في توطين 50 % من الإنفاق العسكري بحلول 2030، وهو ما يعني الانتقال من مجرد الاستيراد إلى الإنتاج المحلي. ويأتي تأسيس الهيئة العامة للصناعات العسكرية كمنظم ومشرّع. وتأسيس الشركة السعودية للصناعات العسكرية سامي كذراع استثماري وصناعي وطني. والشراكات المتسارعة مع كبرى الشركات العالمية مشروطة ب نقل التقنية والتصنيع محليًا. كلها تشير أنه بالشواهد العملية خلال أقل من خمس سنوات من تأسيسها، دخلت سامي قائمة أكبر 100 شركة دفاعية في العالم. وارتفعت نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الدفاعية من أقل من 5 % إلى أكثر من 15 %، مع مؤشرات صعود متسارع. وهناك مشاريع قائمة في الطيران، الدفاع الجوي، الذخائر، والأنظمة البحرية وتشهد توسعًا مستمرًا. كما أن برامج تأهيل آلاف الشباب السعودي للعمل في خطوط الإنتاج والبحث والتطوير. والأثر الإقليمي المرتقب أن الموقع الجغرافي للمملكة يجعلها مركزًا محوريًا في الشرق الأوسط، وقادرة على أن تكون منصة تصدير للسلاح إلى أسواق إقليمية واسعة، وتنامي القدرات الصناعية يضع المملكة في موقع المنافسة مع القوى الإقليمية التقليدية في هذا المجال. والصناعة المحلية ليست مجرد إنتاج، بل مرفقة ب البحث والتطوير، ما يمنحها فرصة لتقديم حلول مبتكرة تناسب احتياجات المنطقة. ومع استمرار التوطين ونمو الاستثمارات والشراكات، فإن المملكة بالفعل في طريقها لتصبح لاعبًا إقليميًا مهمًا في صناعة السلاح خلال العقد القادم، والرهان الكبير هو أن تتحول من مستورد رئيس إلى مُنتج ومُصدّر، بما يعزز أمنها القومي ويفتح لها أسواقًا جديدة.