لا يمكن قراءة معرض الدفاع العالمي المقام حاليًا في الرياض بوصفه فعالية عابرة، ولا حتى كحدث تجاري تقليدي في قطاع السلاح، ما يجري أبعد من ذلك بكثير؛ إنه مؤشر سياسي- اقتصادي على الموقع الذي باتت تحتله المملكة العربية السعودية في معادلة الصناعات الدفاعية عالميًا.. فحين يستقطب المعرض أكثر من 770 جهة عارضة من 76 دولة، بحضور يتجاوز 440 وفدًا رسميًا، فإن التفسير لا يمكن أن يُختزل في الطلب الدفاعي وحده، بل في تحول نوعي في صورة المملكة ودورها. هذه الأرقام لا تعبّر عن كثافة المشاركة فحسب، بل تكشف عن ثقة دولية متزايدة ببيئة المملكة الاستثمارية والتنظيمية، فالحضور الإعلامي الواسع، الذي قارب ألف جهة إعلامية، يعكس إدراكًا بأن الرياض لم تعد مجرد سوق، بل أصبحت منصة دولية مؤثرة لصناعة القرار الدفاعي، والنقاش حول مستقبل الصناعات العسكرية. هذا الزخم لم يأتِ من فراغ، المملكة اليوم لا تسوّق نفسها كزبون سلاح، بل كشريك طويل الأمد في التصنيع، ونقل المعرفة، وبناء سلاسل إمداد محلية، هذا التحول في الخطاب والممارسة هو ما جعل المعرض مساحة للشراكات لا للصفقات العابرة، وهو ما انعكس مباشرة في تجاوز قيمة الاتفاقيات وعقود الشراء 26 مليار ريال، في مؤشر واضح على انتقال العلاقة من البيع والشراء إلى البناء والاستثمار المشترك. ومن هذا المنطلق، يتحول المعرض إلى أداة عملية في مسار توطين الصناعات العسكرية، فحين تجتمع الشركات العالمية في إطار رسمي يدعم الشراكات المستدامة، تنتقل مشروعات التوطين من مستوى النوايا إلى مستوى التنفيذ، ويظهر ذلك في التركيز المتزايد على مجالات الصيانة والإصلاح، والتجميع المشترك، وبناء موردين محليين، وربط البحث والتطوير بالاحتياج الفعلي، بما ينسجم مع مستهدف رؤية 2030 برفع نسبة التوطين العسكري إلى 50%. الأهم أن هذا المسار لا يخدم قطاع الدفاع وحده، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني ككل، فالصناعات العسكرية بطبيعتها صناعات كثيفة المعرفة، عالية القيمة، وقادرة على توليد وظائف نوعية، ونقل تقنيات مزدوجة الاستخدام إلى قطاعات مدنية أخرى، وعندما تنجح المملكة في استقطاب هذا الحجم من الدول والشركات، فإنها لا تعزز أمنها فحسب، بل تعيد تعريف دورها كمنصة إقليمية وعالمية لصناعات المستقبل. هنا تحديدًا تتجلى القوة الناعمة السعودية في صورتها العملية: قدرة المملكة على جعل العالم يأتي، لا ليعرض فقط، بل ليشارك، ويستثمر، ويبني.