المملكة تدين قرار سلطات الاحتلال تحويل أراضٍ في الضفة الغربية إلى ما تسميه «أملاك دولة» تابعة لسلطات الاحتلال    نائب وزير الخارجية يلتقي وزير الدولة للشؤون الخارجية بجمهورية الصومال الفيدرالية    ضبط (16) مخالفًا في جازان لتهريبهم (320) كجم "قات"    «الرابطة»: «ثمانية» ستدفع 2.3 مليار ريال مقابل حقوق النقل التلفزيوني ل6 مواسم    أمير جازان ونائبه يشاركان قادة ومنسوبي القطاعات الأمنية إفطارهم الرمضاني في الميدان    جمعية التكافل توقع اتقافية تعاون مع جمعية مأمن بمحافظة صبيا    مُحافظ الطائف يقف على مشروع الطريق الرابط بين طريق السيل وطريق عشيرة الرياض    روسيا تسلم أوكرانيا جثة 1000 جندي مقابل 35 من قواتها    الاتحاد المغربي ينفي تعيين مدرب جديد للمنتخب الأول بدلا من الركراكي    3 مستشفيات سعودية ضمن أفضل 250 عالميًا في 2026    ولي العهد يعزي ولي عهد الكويت    الأمير تركي بن محمد بن فهد يشكر القيادة على دعمها غير المحدود للقطاع غير الربحي    المملكة تقدم دعم للموازنة اليمنية 1.3 مليار ريال    تراجع أسعار النفط    إطار عمل "ماناف" لحوكمة الذكاء الاصطناعي يركز على خمسة مبادئ    انطلاقة بطولة نادي التضامن الرمضانية لكرة القدم في رفحاء    نائب أمير المدينة ووزير التعليم يبحثان تطوير القطاع التعليمي    1358طالباً وطالبة من تعليم الطائف يجتازون المرحلة الأولى من مسابقة نسمو    برعاية أمير الشرقية.. انطلاق موسم القادسية الرمضاني 2026 بحلة جديدة    أرامكو تعلن عن بدء الإنتاج في حقل الجافورة    رسالة إلى المشرف: اذكرني بدعوة صادقة    تتشابه القصص لكن لكل منا طريقته في التعبير    هناك بدأت الحكاية هنا بدأ الوطن    «الحكام» تصدر بياناً بشأن أزمة لقاء ضمك والأهلي    أكدت حدوث فوضى بعد انسحاب «قسد».. دمشق تعلن خطة للسيطرة على مخيم الهول    فصائل عراقية تطالب القوات الأمريكية بالانسحاب    استمع إلى شرح مفصل عن سير العمل.. وزير النقل يتفقد انسيابية حركة المعتمرين بمطار الرياض    إفطار العطيشان    تنظيم نشاط الباعة الجائلين وتمكينهم بمواقع معتمدة.. 350 منفذ بيع لكل أمانة ب«بسطة خير السعودية»    فقندش يطمئن محبيه بتحسن حالته الصحية    مجلس الشؤون الاقتصادية يؤكد استمرار سياسة مالية متوازنة ومرنة    اتخاذ الإجراءات النظامية بحق الوكلاء الخارجيين.. إيقاف 3 شركات لم توفر السكن للمعتمرين    مفاوضات تختبر فرص التهدئة.. جولة حاسمة بين واشنطن وطهران في جنيف    في الجولة ال 24 من دوري روشن.. النصر والأهلي ضيفان على الفيحاء والرياض    جمعية السينما تطلق ورشة مهارات السرد البصري    رامز وياسر جلال يصفحان عن أحمد ماهر    التعادل يحسم مواجهة الفيحاء ونيوم في روشن    أطعمة تسبب العطش في نهار رمضان    تنظيم رقمي لمحطات تنقية المياه على السدود    القطاع غير الربحي: التحقق قبل التبرع    اللواء الركن عوض بن مشوح العنزي يتفقد قوات الأفواج الأمنية بعسير وجازان ويهنئهم بشهر رمضان المبارك    "التاريخ الشفهي للشاشة العربية" يوثق الذاكرة بصوت روادها    «سوق جاكس الرمضاني» يحتفي بتجربة ثقافية متكاملة    أمير حائل يطلق حملة «تراحم»    «الرياض» تعيش ساعات «التجهيزات المسائية» بالحرم المكي    نفحات رمضانية    المعمول والكليجا بوجبات إفطار المسجد النبوي    يوم التأسيس    صحة جازان تُحيي ذكرى "يوم التأسيس" وسط أجواء رياضية وتثقيفية ببطولة "مدرك"    تشغيل مركز الدكتور سليمان الحبيب الطبي بمركز الملك عبدالله المالي بالرياض    صيام الجسد.. انبعاث للروح    تأجيل الأبوة بعد الأربعين قرار محسوب أم مجازفة بيولوجية    مائدة قباء الرمضانية تجمع الصائمين    طعامي تحفظ 424 ألف كجم من الهدر    بحث مع وزيرة الثقافة المصرية مشاريع في الموسيقى والأوبرا والسينما.. تركي آل الشيخ يعلن مفاجآت ومبادرات نوعية لتعزيز التكامل الثقافي السعودي المصري    20 دولة تندد بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة    مئات النازحين بعد هجوم الدعم السريع على معقل زعيم قبيلة المحاميد    محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية تسجل إنجازا عالميا في تتبع شبح الصحراء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السعودية وأميركا.. بعدٌ عسكري يتجدد
نشر في الرياض يوم 19 - 11 - 2025


شراكة أمنية عابرة للحدود لمواجهة الإرهاب العالمي
منذ أكثر من ثمانية عقود، نسجت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية خيوط علاقة استراتيجية تعد من أكثر الشراكات ثباتًا وتأثيرًا في الشرق الأوسط. فبدايتها التاريخية تعود إلى اللقاء الشهير بين الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد لرحمن آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عام 1945م على متن البارجة «كوينسي»، ذلك اللقاء الذي لم يكن مجرد اجتماع دبلوماسي، بل نقطة تحول في موازين الأمن الإقليمي والعالمي.
ترسخت الثقة السياسية حينها على قاعدة المصالح المشتركة، النفط مقابل الأمن، لتتحول لاحقاً إلى تعاون شامل يتجاوز الطاقة إلى مجالات الدفاع، والتقنيات الحديثة، وتبادل المعلومات. ومع مرور الزمن، لم تكن العلاقة خالية من التحديات أو الخلافات، لكنها ظلت محكومة بعامل الثقة المتبادلة ووعي البلدين بأهمية الاستقرار في منطقة حيوية كمنطقة الخليج العربي.
في الجانب العسكري، شكّل التحالف السعودي-الأميركي أحد الأعمدة الرئيسة للأمن الإقليمي، حيث قامت الولايات المتحدة بدعم القوات المسلحة السعودية بالتدريب والتجهيز، فيما شاركت المملكة بفاعلية في حماية الممرات البحرية وضمان أمن الطاقة العالمي. وقد أسهمت صفقات التسليح الكبرى في تعزيز القدرات الدفاعية السعودية، خصوصًا في مجالات الطيران، وأنظمة الدفاع الجوي، والاستخبارات العسكرية. ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، تغير شكل التعاون الدفاعي من مجرد استيراد السلاح إلى توطين التقنية ونقل المعرفة، عبر شراكات بين الشركات السعودية والمؤسسات الدفاعية الأميركية. لم يعد الهدف فقط حماية الحدود، بل بناء صناعة عسكرية وطنية قادرة على المنافسة العالمية، تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الوطني.
كذلك توسع مفهوم الأمن في السنوات الأخيرة ليشمل الأمن السيبراني والدفاع الرقمي، وهو مجال بات يحتل موقعاً محورياً في العلاقة بين الرياض وواشنطن، نظراً لتزايد الهجمات الإلكترونية واستهداف البنية التحتية الحيوية. في هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة إنشاء مراكز تدريب مشتركة، وتبادل خبرات بين الهيئات الدفاعية في البلدين لمواجهة التهديدات الحديثة. إن العلاقات الدفاعية بين السعودية والولايات المتحدة لاتقتصر على المصالح التكتيكية، بل تعكس تحالفاً استراتيجياً طويل الأمد، يوازن بين متطلبات الأمن القومي السعودي ودور أميركا العالمي في ضمان استقرار المنطقة. ومع استمرار التحديات الإقليمية في البحر الأحمر والخليج واليمن، يظل هذا التعاون حجر الزاوية في حماية المصالح المشتركة وصناعة السلام.
من جذور التاريخ إلى حاضر الشراكة العسكرية
يعود التحالف العسكري بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة إلى لحظة مفصلية في التاريخ الحديث، حين التقى الملك عبدالعزيز بالرئيس الأميركي روزفلت في الرابع عشر من فبراير عام1945م،على متن البارجة الأميركية «كوينسي» في قناة السويس. كان ذلك اللقاء بداية تأسيس الثقة السياسية والعسكرية بين البلدين، ووضع اللبنة الأولى لشراكة استراتيجية استمرت لعقود.
في تلك المرحلة، كانت المملكة تخطو خطواتها الأولى نحو بناء الدولة الحديثة، فيما كانت الولايات المتحدة الأميركية تبرز كقوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية. شكل اللقاء اتفاقاً ضمنياً على تبادل المصالح، أمن الطاقة مقابل الأمن الإقليمي. إذ تعهدت واشنطن بدعم استقرار المملكة وحمايتها من أي تهديد خارجي، بينما ضمنت حصولها على إمدادات مستقرة من النفط السعودي، الذي أصبح شرياناً حيوياً للصناعة العالمية. على مر العقود، لم يقتصر التحالف السعودي-الأميركي على اتفاقيات سياسية، بل تحول إلى شراكة استراتيجية متينة تجسد في ميادين الدفاع والأمن. فقد تطور التعاون العسكري بين البلدين ليشمل مجالات التدريب والتخطيط وتبادل المعلومات الاستخباراتية، مما عزز من قدرات القوات السعودية على حماية حدودها ومصالحها الإقليمية. لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في تحديث منظومة الدفاع السعودي عبر تزويدها بأحدث التقنيات العسكرية ونظم التسليح المتقدمة، بينما برزت المملكة كشريك موثوق يعتمد عليه في تحقيق التوازن والاستقرار في المنطقة.
هذا التحالف انبثق من اللقاء التاريخي وأثبت صلابته أمام التحديات المتغيرة التي شهدتها المنطقة والعالم. فلم يكن مجرد تفاهم سياسي عابر، فالعلاقة مبنية على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، تتجدد مع كل مرحلة من مراحل التحول الإقليمي. لقد شكل لقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت نقطة انطلاق مسار طويل من التعاون الاستراتيجي، يقوم على معادلة واضحة الاستقرار مقابل الشراكة. ومنذ ذلك التاريخ، بات هذا التحالف أحد أبرز ركائز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط وجسراً مستمراً للتنسيق والتفاهم بين الرياض وواشنطن.
صفقات التسليح..
وجه جديد للتحالف العسكري
شهدت العلاقات الدفاعية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية تطوراً متسارعاً منذ منتصف القرن العشرين، إذا شكلت صفقات التسليح إحدى أهم ركائز التحالف العسكري بين البلدين. فمع بدايات الخمسينات بدأت واشنطن بتزويد الرياض بأحدث أنظمة الأسلحة المتقدمة، في خطوة تهدف إلى دعم استقرار المملكة وتعزيز قدرتها على حماية أمنها الوطني. شملت تلك الصفقات منظمات دفاع جوي متطورة وطائرات مقاتلة من طرازات مختلفة مثل (F-15) و(باتريوت)، إضافة إلى برامج تدريب وتأهيل مكثفة للكوادر العسكرية السعودية داخل وخارج المملكة. وقد أسهم هذا التعاون في بناء قاعدة احترافية من الضباط والخبراء القادرين على تشغيل الأنظمة الدفاعية الحديثة وإدارتها بكفاءة عالية.
وفي السنوات الأخيرة ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، اتجهت الرياض إلى توطين الصناعات العسكرية بنسبة تصل إلى 50 % من الإنفاق الدفاعي، مما جعل التعاون مع الجانب الأميركي يتخذ بعداً جديداً قائماً على نقل التقنية والتصنيع المشترك. وبرزت في هذا الإطار شركات كبرى مثل»بوينغ» و»لوكهيد مارتن» و»رايثيون» ضمن مشاريع تطوير الصناعات الدفاعية المحلية بالتعاون مع الهيئة العامة للصناعات العسكرية.
هذا التطور يعكس تحول العلاقة من مجرد صفقات تسليح إلى شراكة دفاعية إستراتيجية طويلة الأمد، تعنى بالتطوير والابتكار والتأهيل البشري، لتصبح المملكة اليوم إحدى الدول المحورية في حفظ أمن المنطقة واستقرارها، عبر منظومة دفاعية متقدمة تجمع بين التقنية العالمية والرؤية الوطنية.
شراكة أمنية لمواجهة الإرهاب العالمي
في قلب التحالف العسكري بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية تكمن شراكة أمنية واستراتيجية متينة، تقوم على تنسيق استخباراتي وأمني مكثف يهدف إلى استئصال جذور الإرهاب وحماية الأمن الإقليمي والعالمي. منذ أوائل الألفية، ومع تصاعد نشاط تنظيم القاعدة وفروعها في شبه الجزيرة العربية، شهد التعاون بين البلدين تحولاً جذرياً عبر توقيع اتفاقيات تقنية وأمنية لتعزيز قدرات المملكة في الوقاية والمواجهة.
في السنوات الأخيرة، تطورت علاقة التعاون الأمني والاستخباراتي بين السعودية والولايات المتحدة لتشكل جزءًا محوريًا من الجهود الإقليمية والدولية في مكافحة الجماعات المتطرفة وحماية الأمن الإقليمي والعالمي. فالمملكة تُعد شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في حربها ضد التنظيمات المتطرفة، حيث أكدت تقارير أن المملكة تُعد شريكا لا غنى عنه في تعطيل شبكات التمويل الإرهابي.
من الجانب السعودي، أشيد بدور المملكة كشريك نشط في تحالفات مثل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب ،إذا أشارت التقارير الأميركية إلى أن السعودية كانت محوراً في رصد وضبط التمويل والتدفقات المرتبطة بالإرهاب الدولي. هذا التنسيق لم يقتصر على تبادل المعلومات فحسب، بل شمل بناء القدرات المحلية، حماية البنى التحتية الحيوية، وضمان أمن الملاحة في مضائق حيوية تتعرض لمخاطر التنظيمات والميليشيات.
وهكذا تتحول العلاقة من مجرد تعاون ارتجالي إلى شراكة أمنية استراتيجية طويلة المدى، تستند إلى المصالح المشتركة والتهديدات المتقاربة، وتظل المملكة والولايات المتحدة ملتزمتين باستراتيجية أمنية تجمع بين الوقاية، التحالف، والتعاون الاستخباراتي المكثف والمستمر في بيئة دولية متغيرة.
التعاون السعودي - الأميركي في قلب أمن الخليج
يعتبر أمن الخليج العربي أحد أبرز أولويات المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية في ظل التحديات المتزايدة، التي تواجه الممرات البحرية الحيوية وتهديدات استقرار الطاقة العالمية. وتبرز الشراكة الدفاعية بين البلدين كعمود فقري لاستراتيجية مشتركة تهدف إلى حماية خطوط الملاحة،وضمان انسيابية تدفق النفط والغاز، فضلا عن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
على مدار السنوات، تطورت هذه الشراكة من التنسيق التقليدي إلى عمليات مشتركة، تشمل التدريب البحري المشترك، دوريات الحماية، ومراقبة التحركات المريبة في المياه الدولية. وقد شهدت الفترة الأخيرة تنفيذ تدريبات بحرية مكثفة مثل تمرين «Nautical Defender» الذي ضم القوات البحرية السعودية والأسطول الخامس الأميركي، وركز على مواجهة الألغام البحرية والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى تعزيز قدرات المراقبة الاستخباراتية. ويؤكد المسؤولون السعوديون والأميركيون أن التعاون لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يشمل الأمن البحري والوقاية من تهديدات الطاقة، والأمن السيبراني للموانئ الحيوية. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية المشتركة في تعزيز قدرة المملكة على حماية الممرات البحرية الحساسة، خصوصاً مضيقي هرمز وباب المندب اللذين يشكلان شريانا أساسيا للإمدادات العالمية من النفط.
ويبرز هذا التعاون أيضاً على مستوى السياسات الإقليمية والدولية، تلعب المملكة دور الوسيط المستقر ضمن التحالفات الإقليمية والدولية، بينما تقدم الولايات المتحدة الخبرة التقنية، والدعم اللوجستي لتأمين المنطقة من أي تهديدات ارهابية أو عسكرية محتملة. وهكذا، تتحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى، تجمع بين الاستعداد العسكري، الاستقرار السياسي، وحماية خطوط الطاقة العالمية. مما يجعل الخليج العربي منطقة آمنة نسبيا ًرغم التحديات المتصاعدة.
المناورات العسكرية ركيزة
الشراكة الاستراتيجية
في إطار الشراكة الدفاعية المتنامية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، تبرز المناورات المشتركة كأحد أعمدة هذا التعاون، حيث تمثل تجسيدًا عمليًا لتعزيز الكفاءة القتالية والتكامل بين القوات المسلحة للبلدين. ومن بين هذه التدريبات «درع الوقاية 2» التي نُفذت في قاعدة الأمير سلطان الجوية في القطاع الأوسط عام 2018، وتضمنت سيناريوهات للتعامل مع أسلحة الدمار الشامل والأزمات المعاصرة. كما أطلقت مناورات أحدث مثل «Quincy-1» التي شهدت انطلاقها على أرض أمريكية، في قاعدة فورت إروين في كاليفورنيا، بمشاركة قوات سعودية وأمريكية، هدفها تعزيز الجاهزية التشغيلية وتبادل الخبرات وإجراء عمليات مشتركة في بيئات قتال متعددة.
إن هذه التمارين لا تقتصر على تدريب روتيني، بل تشكل منصة لتجربة تكتيكات متقدمة وتعزيز قدرة قوات البلدين على العمل المتزامن والجماعي. فعند تنفيذ سيناريوهات تمرين مشترك، تتحقق التكاملية في التخطيط والمناورة وإنفاذ المهام، مما يقلص زمن الاستجابة ويرفع مستوى الأداء تحت الضغط. وعلى الصعيد الاستراتيجي، تأتي هذه المناورات في وقت تتغير فيه طبيعة التحديات العسكرية، حيث أصبح المطلوب ليس مجرد تسليح كبير بل تكامل شبكي، تنسيق استخباراتي، واستعداد دائم لمواجهة التهديدات المتحولة. وبذلك، فإن السعودية وأمريكا ليسا فقط يقوّيان شراكتهما عن طريق صفقات تسليحية أو تدريب فردي، بل من خلال أدوات واقعية ميدانية تحاكي بيئات القتال الحقيقية وتشرع طريقا لشراكة دفاعية متقدمة.
وفي هذا الإطار، تظهر المناورات المشتركة كرمز لهذه الشراكة، ليس فقط في الأرقام أو التجهيزات، بل في الروح التكاملية والعمل الموحد، مما يعزز من مكانة المملكة كقوة شريكة، والولايات المتحدة كشريك يقود ويوجه تحالفاً متقدماً في المنطقة.
الأمن السيبراني في قلب الشراكة
يشكل الأمن السيبراني أحد أبرز محاور التعاون المتقدم بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، في ظل ما يشهده العالم من تصاعد في التهديدات الرقمية والهجمات الإلكترونية الموجهة نحو القطاعات الحيوية. هذا التعاون يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وسعيهما المشترك إلى بناء فضاء رقمي آمن ومستقر يخدم التنمية والاقتصاد العالمي.
عملت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في السعودية بالتعاون مع وزارة الأمن الداخلي الأميركية ووكالة الأمن القومي (NSA) على تطوير برامج متقدمة لتعزيز القدرات الدفاعية الرقمية، تشمل تبادل الخبرات وتدريب الكوادر الوطنية على تقنيات رصد التهديدات والاستجابة للحوادث السيبرانية. كما وقعت جهات سعودية اتفاقيات مع شركات أميركية كبرى مثل Microsoft و Crowdstrike و FireEye لتطوير أنظمة حماية متقدمة تمكن المملكة من التصدي للهجمات الإلكترونية بكفاءة عالية.
وتأتي هذه الجهود ضمن رؤية السعودية 2030، التي تضع الأمن السيبراني في صميم التحول الرقمي الوطني. فحماية البنية التحتية الرقمية خصوصًا في قطاعات النفط والطاقة والمصارف، تعد أولوية قصوى لضمان استمرار الخدمات الحيوية وتأمين البيانات الوطنية من أي اختراق محتمل. من جانبها، أكدت الحكومة الأميركية دعمها المستمر لتطوير القدرات السيبرانية السعودية، من خلال الحوار الاستراتيجي بين البلدين الذي يشمل التعاون في الأمن الرقمي والدفاع السيبراني، بما يعزز أمن المنطقة واستقرارها. وبذلك أصبح الأمن السيبراني ركيزة جديدة في التحالف السعودي -الأمريكي، يجمع بين التكنولوجيا والاستخبارات لحماية المستقبل الرقمي المشترك.
تعاون لبناء الصناعة الدفاعية
تسير المملكة بخطى واثقة نحو تحقيق رؤيتها الوطنية 2030، التي جعلت من توطين الصناعات العسكرية أحد أهم أهدافها الاستراتيجية إدراكاً لأهمية امتلاك القدرات الذاتية في مجالات الدفاع والتقنية ويأتي التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية في هذا الإطار بوصفه شراكة تنموية تهدف إلى نقل المعرفة وتطوير الكفاءات الوطنية في ميادين التصنيع العسكري.
عملت المملكة من خلال الهيئة العامة للصناعات العسكرية ووزارة الدفاع على بناء منظومة متكاملة لتوطين التقنية، شملت برامج تدريب وتأهيل للمهندسين والفنيين السعوديين، بالتعاون مع خبراء من الجانب الأمريكي. وتركز هذه الجهود على تمكين الكوادر الوطنية من الإسهام في تصميم وصيانة الأنظمة الدفاعية داخل المملكة، بدلا من الاعتماد على الاستيراد الخارجي. كما شمل التعاون إقامة مشروعات مشتركة في مجال إنتاج المعدات والأجهزة الدفاعية، وتطوير منظومات الاتصالات والرصد والصيانة، بما يعزز استقلالية القرار العسكري ويضمن استدامة الأمن الوطني .وتعمل هذه المشروعات على خلق بيئة صناعية سعودية قادرة على المنافسة، وتوفير فرص عمل نوعية للشباب في مجالات التقنية والتصنيع.
ويؤكد هذا التوجه أن العلاقة السعودية الأميركية تجاوزت مرحلة التبادل التجاري لتصل إلى مرحلة التقنية وبناء القدرات المحلية، بما ينسجم مع مستهدفات الرؤية في دعم الابتكار وتحقيق الاكتفاء الذاتي.فالسعودية اليوم تسعى لتعلم الصيانة والتطوير داخل أراضيها، بما يعزز قوتها الدفاعية ومكانتها الإقليمية.
جسور الثقة بين الرياض وواشنطن
تعد الدبلوماسية الدفاعية إحدى الركائز الأساسية في العلاقات السعودية الأمريكية، إذ تمثل أداة فاعلة لترسيخ الثقة الاستراتيجية وبناء قنوات تواصل مستمرة بين وزارتي الدفاع في البلدين. ومع تطور الشراكة الأمنية بين الرياض وواشنطن خلال العقود الماضية، أصبحت الزيارات الرسمية والاتفاقيات الدفاعية الثنائية ركيزة مهمة لتعزيز الاستقرار في المنطقة.
تشهد العلاقات الدفاعية بين البلدين تواصلا دائما عبر زيارات رسمية متبادلة، أبرزها زيارة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع، إلى الولايات المتحدة، حيث التقى كبار المسؤولين الأمريكيين لبحث سبل تطوير التعاون العسكري والدفاعي المشترك، بما في ذلك مجالات التدريب، التسليح، التقنية الدفاعية، وتبادل الخبرات. كما ناقش الجانبان أهمية التنسيق في القضايا الإقليمية وحماية الأمن البحري ومكافحة الإرهاب.
وتأتي هذه اللقاءات ضمن جهود المملكة لتفعيل مفهوم الدبلوماسية الدفاعية، الذي يهدف إلى بناء شراكات تقوم على الحوار والتفاهم وتبادل المعلومات الأمنية، بدلا من الاقتصار على صفقات التسليح التقليدية.فالرياض تسعى من خلال هذه الزيارات إلى تعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية، وفي الوقت نفسه المساهمة في حفظ الأمن الإقليمي والدولي. من جانبها، تؤكد الولايات المتحدة أن الشراكة الدفاعية مع السعودية تمثل حجر الزاوية في استقرار الشرق الأوسط، وأن الحوار المستمر بين وزارتي الدفاع يعزز القدرة على مواجهة التحديات المشتركة .وبذلك، تشكل الدبلوماسية الدفاعية اليوم جسرا متينا يربط بين القوة العسكرية والرؤية السياسية، ويجسد عمق العلاقات بين البلدين.
توازن الشراكة الدفاعية
تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق استقلالية دفاعية متقدمة ضمن إطار تحالف استراتيجي مستمر مع الولايات المتحدة الأمريكية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي وضمان قدرة المملكة على حماية مصالحها الوطنية بشكل مستقل. ويعكس هذا التوجه حرص الرياض على بناء قدراتها الدفاعية المحلية دون التفريط بالشراكة الطويلة الأمد مع واشنطن، التي تشكل ركيزة أساسية للأمن في الشرق الأوسط.
ويظهر هذا التوازن من خلال برامج نقل التقنية وتوطين الصناعات الدفاعية، التي تهدف إلى تمكين المملكة من تصنيع وصيانة أنظمة السلاح محليًا، مع الاستمرار في التعاون مع القوات الأميركيةفي مجالات التدريب المشترك، وتبادل المعلومات، والتخطيط الاستراتيجي. وتسهم هذه الخطوات في تطوير القدرات الدفاعية الوطنية بطريقة مستدامة، مما يعزز قدرة المملكة على مواجهة التهديدات الإقليمية والدولية بشكل مستقل.
وتؤكد الزيارات الرسمية المتبادلة بين وزارتي الدفاع في البلدين على التزامهما المستمر بالحوار الدفاعي، وتبادل الخبرات الفنية والإدارية. فالمملكة تسعى من خلال هذه اللقاءات إلى تعزيز القدرات الذاتية مع الحفاظ على التنسيق مع الولايات المتحدة لضمان الاستقرار الإقليمي، في الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على دعم تطوير القدرات السعودية بما يتوافق مع مصالح الأمن الإقليمي المشترك. ويعتبر هذا النهج نموذجًا لتوازن الشراكة الدفاعية، حيث تجمع المملكة بين قوتها الذاتية وتحقيق الاكتفاء الدفاعي الجزئي، وبين الحفاظ على التحالف الأميركيالذي يمثل دعامة أساسية للاستقرار والأمن في المنطقة، مما يجعل العلاقات الدفاعية بين البلدين نموذجًا للشراكات الاستراتيجية المتوازنة.
التحالف الدفاعي.. ضمان للسلام الإقليمي
يعد التعاون العسكري بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة أحد أبرز الركائز التي ساهمت في تعزيز السلام الإقليمي واستقرار الشرق الأوسط. فمنذ توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي بين البلدين عام 1990، عمل الجانبان على تطوير القدرات الدفاعية السعودية وتبادل الخبرات في مجالات التدريب، والاستخبارات ومكافحة الإرهاب، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أمن البحر الأحمر والخليج واليمن. في البحر الأحمر أسهمت المناورات المشتركة مثل «الموج الأحمر» في تعزيز قدرة القوات البحرية السعودية والأميركية على حماية الممرات البحرية الحيوية، من التهديدات والقرصنة، مما دعم استقرار حركة التجارة العالمية عبر قناة السويس وباب المندب.
في إطار التعاون السعودي الأمريكي، كثف البلدان جهودهما المشتركة لمواجهة التهديدات الإقليمية وتعزيز السلام في الشرق الأوسط عبر التنسيق العسكري والاستخباراتي المستمر. فقد ساهمت واشنطن والرياض في دعم مبادرات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب العابر للحدود، إضافة إلى تطوير أنظمة الدفاع الجوي لحماية البنية التحتية الحيوية في المملكة ودول الجوار. كما أسهم هذا التنسيق في حماية الممرات النفطية في الخليج ،وتأمين الملاحة الدولية ضد الهجمات التي تستهدف الاستقرار الاقتصادي العالمي. وتؤكد التقارير الأميركيةأن المملكة باتت شريكا رئيسيا في الاستراتيجية الأميركية لتحقيق التوازن في المنطقة خاصة في ظل تنامي التهديدات ومحاولات زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وفي منطقة الخليج، ساهمت التدريبات مثل «درع الوطن» في رفع جاهزية القوات السعودية لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية، ولا سيما التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة. كما عزز الوجود الأميركي المتوازن في المنطقة الردع ضد أي تصعيد محتمل وبذلك يمكن القول إن التحالف العسكري بين الرياض وواشنطن لم يقتصر على البعد الدفاعي بل شكّل أداة فاعلة لترسيخ الاستقرار الإقليمي، ودعم الأمن الجماعي في الشرق الأوسط.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.