ليس مجرد حزن عابر، بل زلزال صامت يهزّ أعماق الروح، ويكشف للإنسان ضعفه الحقيقي أمام مشيئة الله. هي لحظة يتقدّم فيها الجسد بخطوات ثقيلة، بينما الروح متأخرة، ترفض أن تصدّق أن هذا الذي تحمله الذكريات قبل دقائق، سيُوارى الآن تحت التراب. في تلك اللحظة يتجرد الإنسان من كل أقنعته، فلا منصب يشفع، ولا مال يخفف، ولا كلمات تستطيع أن تشرح ما يختلج في الصدر. حين تقف عند القبر، وتُلقى النظرة الأخيرة، تشعر بأن الدنيا كلها تصغر فجأة، وأن ما كنت تظنه همومًا عظيمة لم يكن شيئًا يُذكر. تتزاحم الصور في بالك بلا استئذان؛ صوت الفقيد، ضحكته، نصائحه، حضوره الذي كان يملأ المكان، ثم صمته المفاجئ الذي يملأ القلب وجعًا. تمد يدك للمشاركة في الدفن، وكأنك تضع جزءًا من روحك مع كل حفنة تراب، وتدرك أن الفراق ليس في الرحيل وحده، بل في استمرار الحياة من بعده. في تلك اللحظات، يعجز اللسان عن الكلام، وتتكلم الدموع بدلًا عنه. ليس البكاء ضعفًا، بل اعتراف إنساني بأن المحبة كانت صادقة، وأن الفقد موجع. ومع كل دمعة، يتسلل سؤال قاسٍ إلى القلب: كيف تستمر الحياة بعد هذا؟ لكن الإيمان، رغم انكساره، ينهض ليذكّرك بأن هذه سنة الله في خلقه، وأن الموت ليس نهاية، بل انتقال من دار إلى دار، ومن تعب الدنيا إلى حساب الآخرة. ويأتي القرآن ليضع الألم في إطاره الحقيقي، لا ليزيله، بل ليمنحه معنى، فيقول الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). [العنكبوت: 57] هذه الآية تُنزل الفاجعة من مستوى الصدمة إلى مستوى اليقين، فتذكّرك أن الذي رحل سبقك إلى طريق ستسلكه لا محالة، وأن اللقاء مؤجل لا ملغي. عند القبر تشعر أن المسافات بينك وبين الآخرة قصرت، وأن العمر مهما طال، يظل أقصر مما نتصور. تتعلم أن كل تأجيل للطاعة خسارة، وأن كل قسوة في القلب ندم مؤجل، وأن كل كلمة لم تُقل ستبقى حسرته معك طويلًا. شعور الدفن يعلّمك الصمت، ويعلّمك أن أعظم ما يُهدى للراحل ليس الزهور ولا الدموع، بل الدعاء الصادق والعمل الصالح، الذي يصل إليه نورًا في قبره. تتمنى لو أن لك القدرة على إعادتهم للحظة واحدة فقط، لا لتقول كلامًا كبيرًا، بل لتحتضنهم، أو تعتذر، أو تقول: "أحبك" التي بخلنا بها كثيرًا، ونحن نظن أن الوقت ما زال طويلًا. ومع شدة الألم، يبقى في القلب خيط رفيع من الطمأنينة، مصدره الإيمان بعدل الله ورحمته. فالله أرحم بعباده من أمهاتهم، وما أخذ شيئًا إلا ليعوض خيرًا أعظم؛ إما صبرًا يؤجر عليه الحي، أو رحمة تغشى الميت. ويهمس القلب وهو يغادر المقبرة أن الفراق في الدنيا قاسٍ، لكنه ليس النهاية، وأن الصبر هنا ليس نسيانًا، بل ثباتًا وانتظارًا للقاء لا فراق بعده. وهكذا، تخرج من المقبرة إنسانًا مختلفًا؛ أقل تعلقًا بالدنيا، وأكثر قربًا من الله، وأكثر فهمًا لمعنى الحياة والموت. تحمل حزنك معك، نعم، لكنه حزن مهذّب بالإيمان، مكسوّ بالرضا، ومعلّق برجاء عظيم أن يجمعك الله بمن أحببت في دارٍ لا وداع فيها ولا قبور.