عند فحص فرضية أن القرآن مجرد إيحاء نفسي أو نتاج داخلي من نفس محمد صلى الله عليه وسلم، تظهر إشكالات عميقة تجعل هذا التفسير عاجزًا عن الصمود أمام الوقائع النصية والتاريخية. فالإيحاء الذاتي -كما يفهم في علم النفس- لا ينفصل عن ميول الشخص، ولا يتجاوز أفق خبرته، ولا يأتي على خلاف رغبته أو ضد مصلحته النفسية. بينما نجد القرآن في مواضع كثيرة يفعل العكس تمامًا. فالقرآن لا يساير الحالة الشعورية للنبي صلى الله عليه وسلم، بل يخالفها أحيانًا، ويؤخر الجواب حيث يكون التعجيل أرفق بالنفس، ويعاتبه حيث يقتضي الطبع التبرير، بل ويُحمّله من التكاليف والمشاق ما لا تطلبه النفس البشرية من ذاتها. وهذا وحده كافٍ لإسقاط فكرة أن النص نابع من الداخل. ثم إن بنية القرآن نفسها لا تشبه خطابًا نفسيًا متدفقًا؛ فهو ليس اعترافات ذاتية، ولا تأملات وجدانية، ولا سيرة داخلية. بل هو خطاب موجَّه، تشريعي، جدلي، يتناول وقائع لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم علم سابق بها، ويجيب عن أسئلة لم تُطرح بعد، ويصحح تصورات جماعية، لا حالات فردية. ويُضاف إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يميّز بوضوح بين ما هو قرآن وما هو اجتهاد بشري، وبين الوحي المتلو وغيره من صور الإرشاد. هذا التمييز الدقيق لا يصدر عادة عن شخص يخلط بين ذاته وما يصدر عنها، بل عن متلقٍّ واعٍ لمصدر خارجي مستقل. كما أن الإيحاء النفسي لا يُفسر ظاهرة الانقطاع والوحي المتقطع، ولا فترات التوقف الطويلة، ولا انتظار البيان، ولا تغيّر الأسلوب والموضوع تبعًا للسياق لا للحالة النفسية. فهذه سمات خطاب يُدار بحكمة، لا تداعٍ داخلي. ويخلص الدكتور دراز إلى أن تفسير القرآن بالإيحاء الذاتي لا يفسر النص، بل يهرب منه، لأنه يعجز عن استيعاب استقلاله، وصرامته، ومخالفته المتكررة لميول صاحبه، وهو ما يجعل القول بالمصدر الإلهي التفسير الأوفى والأبقى.