تُعد إبستمولوجيا الفنون البصرية فرعاً فلسفياً يسعى لتفكيك طبيعة «المعرفة الفنية» وكيفية تشكلها، فالفن التشكيلي ليس مجرد نتاج انفعالي أو جمالي، بل هو نسق معرفي موازٍ للعلوم الطبيعية، يمتلك أدواته الخاصة في إدراك العالم وتأويله. إن السؤال الجوهري هنا: هل الفن «يعرف» شيئاً لا يستطيع العلم معرفته؟ أولاً: التحول من البصري إلى الذهني لفترة طويلة، انحصرت إبستمولوجيا الفن في نظرية المحاكاة، حيث كانت المعرفة الفنية تُقاس بمدى دقة مطابقة الأصل. ومع بروز الحداثة، وتحديداً مع أطروحات مارسيل دوشامب، انتقلت المعرفة من شبكية العين إلى مفهوم العقل. في هذا السياق، يقول دوشامب: «إن الفن ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة للتعبير عن مفاهيم عقلية لا يمكن صياغتها باللغة العادية»، هذا الاقتباس يؤصل لفكرة أن اللوحة أو المنحوتة هي بنية معرفية تحمل شفرات سيميائية تتطلب تفكيكاً ذهنياً، وليس مجرد استمتاع بصري. ثانياً: الفن بوصفه لغة (المنظور السيميائي) تعتمد إبستمولوجيا الفن المعاصر على اعتبار العمل الفني «علامة» (Sign). هنا يبرز دور الفيلسوف والناقد نيلسون غودمان في كتابه «لغات الفن»، حيث يرى أن الفنون هي أنظمة رمزية تعمل تماماً مثل اللغات والرياضيات في بناء عالمنا. يقول نيلسون غودمان: «الفن ليس تصويراً للعالم كما هو، بل هو إعادة بناء للعالم؛ فالصور، تماماً مثل الكلمات، هي أدوات للمعرفة». ثالثاً: دور المتلقي في إنتاج الحقيقة الفنية لا تكتمل إبستمولوجيا الفن دون دراسة فعل التلقي. فالمعرفة الفنية ليست ساكنة في اللوحة، بل هي معرفة تفاعلية، وهنا نجد صدىً لأفكار إيمانويل كانط التي طورها لاحقاً رواد النقد الحديث، حيث يُعتبر الحُكم الجمالي عملية معرفية تربط بين الخيال والفهم. يؤكد موريس ميرلو بونتي في دراساته حول الرؤية والفن: «الرسام لا يرسم العالم، بل يرسم كيفية رؤيتنا للعالم، المعرفة الفنية هي معرفة بالجسد والإدراك الحسي قبل أن تكون فكراً مجرداً». رابعاً: الممارسة الفنية كمنهج بحثي (Art-Based Research) في الإبستمولوجيا الحديثة، يُنظر إلى المرسم كمختبر. الباحث الفنان لا يسجل النتائج، بل يستقصي المادة (البرونز، الأكريليك، الضوء) كأدوات لإنتاج معرفة مادية، فالفنان عندما يتعامل مع الكتلة والفراغ، هو في الحقيقة يمارس «فيزياء فلسفية». نحو إبستمولوجيا سعودية عربية للفنون إن دراسة إبستمولوجيا الفنون البصرية في سياقنا المحلي والإقليمي، كما في أبحاث السيميائيات البصرية للفنانين السعوديين التي دُرست سابقًا ومطولًا، تستلزم الجمع بين المنطق الكوني للفن وبين الخصوصية الثقافية للمفردة التشكيلية. فالمعرفة الفنية هنا تكتسب مشروعيتها من قدرتها على تحويل الذاكرة والهوية إلى بُنى بصرية قابلة للقراءة والنقد، تركز على سيميولوجيا المكان في الفن السعودي المعاصر كنموذج تطبيقي للإبستمولوجيا البصرية، مع تعميق الطرح الإبستمولوجي. سيميولوجيا المكان في المحترف السعودي.. مقاربة إبستمولوجية خامساً: إدراك المكان كبنية معرفية (The Spatial Episteme) في الفن السعودي المعاصر، لا يُعد المكان (سواء كان صحراء جبال سهول، أو حارة شعبية، أو فضاءً حضرياً) مجرد خلفية جغرافية، بل هو موضوع معرفي يتم استنطاقه سيميائياً. إن الانتقال من رسم المكان كمنظر طبيعي إلى استحضاره كرموز يمثل تحولاً إبستمولوجياً من المعرفة الوصفية إلى المعرفة التأويلية. في هذا السياق، يقول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان: «إن المكان الذي يُستحضر بالخيال لا يظل مكاناً هندسياً، بل يصبح مستودعاً للقيم والذكريات؛ إنه الحيز الذي تتركز فيه المعرفة الإنسانية بالوجود». هذا الطرح يفسر كيف تحول المكان لدى رواد الفن السعودي (أمثال: عبدالحليم رضوي، محمد السليم، صفية بن زقر، نواوي، العبيّد، ضيا، موصلي، صبان، الدهام، الأعجم، حمّاس، إدريس... إلخ)، من حيز مادي إلى نسق علاماتي يختزل الهوية والتحول الاجتماعي. سادساً: سيميولوجيا الرموز المكانية وتفكيك المنظومة تتأسس إبستمولوجيا المكان في الفن السعودي على تفكيك الرموز (المثلث، الجبل القَط العسيري، الخطوط الانسيابية للصحراء). هنا تتقاطع الممارسة الفنية مع أطروحات ميشيل فوكو حول المنظور كأداة سلطة معرفية. يقول ميشيل فوكو: «المعرفة ليست مجرد رؤية؛ إنها بناء للعلاقات بين الأشياء في الفضاء، كل نظام بصري شكلي لوني هو نظام معرفي يحدد ما يمكن رؤيته وما يجب حجبه». تطبيقاً لذلك، نجد أن الفنان السعودي المعاصر أعاد بناء المكان إبستمولوجياً من خلال تجاوز المنظور الغربي التقليدي، مستبدلاً إياه بتسطيح سيميائي أو تجريد فضائي يعكس الرؤية الكونية للإنسان في الجزيرة العربية، حيث يتلاشى الأفق المحدود لصالح المطلق. سابعاً: الفن كأركيولوجيا للذاكرة المكانية يُعتبر العمل الفني السعودي المعاصر أداة حفر في الذاكرة المعمارية والبيئية، وهنا تبرز أهمية استشهاد مارتن هايدقر حول العلاقة بين الوجود والمكان: «المكان ليس شيئاً يواجه الإنسان، بل هو ما يمنحه الإنسان إمكانية الوجود. الفن هو الذي يفتح عالم المكان ويجعل الحقيقة تكمن فيه». عندما يدمج الفنان السعودي عناصر من المكان (مثل: خامات البيئة، أو الرموز البصرية للمناطق)، فإنه لا يعيد تدوير المخلفات، بل يمارس فعلاً معرفياً يسمى في الإبستمولوجيا وهو الاسترداد المعرفي للهوية في مواجهة العولمة البصرية. ثامنًا: الممارسة السيميائية لدى الرواد.. نموذجاً تطبيقياً إن تحليل أعمال فنانين مثل: عبدالله حماس أو طه صبان من منظور إبستمولوجي يكشف عن نظام علاماتي متكامل: فاللون: لم يعد صبغة جمالية، بل هو دالٌ سيميائي على المناخ والبيئة. والتكوين: يعكس الفهم المعرفي للعلاقة بين الجماعة في الحارة والفراغ في الصحراء. إجمالًا، إن إبستمولوجيا الفنون البصرية في المملكة العربية السعودية هو مشروع قيد التشكل، يجمع بين أدوات التفكيك السيميائي الغربي وبين العمق التراثي المحلي. إنها معرفة لا تكتفي بتصوير الواقع، بل تطمح لتغيير كيفية إدراكنا له. «الفن لا يعيد إنتاج المرئي، بل يجعل الأشياء مرئية بمعناها الحقيقي» بول كلي. * فنان وأكاديمي سعودي من أعمال صفية زقر من أعمال عبدالله إدريس