يشهد سوق العمل في السنوات الأخيرة تحولات متسارعة، مع بروز حضور نسائي متنام في مجالات كانت تعد تقليديا حكرا على الرجال، مثل البيع في «الحلقة»، والعمل المحاسبي داخل الورش، والإشراف على محلات السيراميك والديكور، في وقت يعد هذا التحول مؤشرا واضحا على تغير أعمق في بنية السوق، مدفوعا بسياسات تمكين المرأة وتوسيع الخيارات المهنية بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد الحديث. كفاءة كبيرة اقتحمت معظم الفتيات في جدة حلقة الخضار والفواكه، والورش الصناعية، إذ تنافس الشباب في سوق العمل بكفاءة كبيرة. وأوضح مورد الخضروات والفواكه، أسعد عبدالجليل، أن العمل في «الحلقة» يتسم بالإيقاع السريع والتفاعل المباشر مع الموردين والعملاء، مشيرا إلى أن النساء استطعن إثبات كفاءة لافتة في إدارة عمليات البيع والتفاوض، فضلا عن تنظيم الطلبات ومتابعتها بدقة، وأضاف أن هذا الحضور يعكس قدرة عالية على التكيف مع بيئات عمل تتطلب سرعة اتخاذ القرار ومهارات تواصل متقدمة، الأمر الذي عزز ثقة المتعاملين وأصحاب الأعمال على حد سواء، وفتح المجال لتوسيع مشاركتهن في هذا القطاع الحيوي. عنصر أساسي في المنطقة الصناعية بمدينة جدة، أكد مشرف على إحدى الورش، أن المرأة برزت في مجال المحاسبة كعنصر أساسي في ضبط الأداء المالي، من خلال إدارة الحسابات اليومية وتنظيم الإيرادات والمصروفات، بما يسهم في رفع كفاءة التشغيل وتحقيق الاستدامة. وأشار إلى أن هذا الدور، رغم كونه غير ظاهر للعميل، يمثل ركيزة رئيسية تعتمد عليها المنشآت الصغيرة والمتوسطة لضمان استقرارها ونموها، خاصة في ظل التحديات التشغيلية التي تواجهها. قطاع السيراميك في قطاع السيراميك والديكور، تجاوزت مشاركة المرأة الأدوار الإدارية التقليدية لتصل إلى الإشراف الميداني، حيث تتولى متابعة فرق العمل، والتعامل المباشر مع العملاء، وتقديم استشارات تصميمية تسهم في تحسين تجربة الشراء. وقد أضاف هذا الحضور مزيجًا من الحس الجمالي والقدرة التنظيمية، انعكس بشكل واضح على جودة الخدمة ومستوى رضا العملاء، وأسهم في تعزيز تنافسية هذه المنشآت في السوق. تحول نوعي يرى مختص التوظيف محمد الغامدي، أن هذا التوسع يعكس تحولا نوعيا في معايير التوظيف، حيث أصبحت الكفاءة والمهارة هي الأساس في اختيار الكوادر، بعيدا عن التصورات النمطية المرتبطة بطبيعة المهن. وأكد أن السوق بات أكثر انفتاحا على استقطاب الكفاءات النسائية في مختلف القطاعات، مدفوعا بحاجته إلى مهارات متنوعة قادرة على مواكبة التغيرات الاقتصادية. تنويع الدخل يشير خبراء اقتصاديون إلى أن هذا التوجه يسهم في تنويع مصادر الدخل ورفع إنتاجية المنشآت، خصوصا مع الاعتماد المتزايد على كوادر وطنية مؤهلة. ورغم هذا التقدم، لا تزال بعض التحديات قائمة، من أبرزها طبيعة بيئات العمل التي قد تتطلب جهدا ميدانيا أو ساعات عمل طويلة، إضافة إلى بعض الصور الذهنية التقليدية تجاه هذه المهن، إلا أن تزايد النماذج الناجحة يسهم تدريجيا في تغيير هذه النظرة، ويفتح المجال أمام مزيد من النساء لخوض تجارب مهنية متنوعة بثقة أكبر. وفي المحصلة، يعكس هذا الحضور النسائي المتصاعد مرحلة جديدة من تطور سوق العمل، تتشكل فيها بيئة أكثر مرونة وشمولا، ترتكز على الجدارة والإنتاجية، وتمنح الفرص على أساس الكفاءة بعيدا عن التصنيفات التقليدية.