بالرغم مما حققناه في هذا العهد الزاهر من نجاحات متميزة في مجال الرعاية الصحية بفضل إيكال الإدارة في مجال الصحة للمتخصصين الإداريين، ما حقق فارقا كبيرا عن تخبطات إدارة الأطباء واستراتيجية رزينة في كل مجالات الرعاية الصحية، إلا أن قلة من الأطباء المتعصبين لاتزال تصر على أن الطبيب يمكن أن ينجح إداريا رغم أنه لم يتخصص في الإدارة، بل لم يدرسها مطلقا. وأكاد أكون أكثر من تطرق لخطورة إدارة الأطباء خاصة على المستوى الإعلامي سواء في مقالاتي أو في حواراتي المتلفزة، أما أكاديميا فإن كثيرين تطرقوا لهذا الموضوع، فكان ثمة إجماع على أن إيكال الإدارة الصحية للطبيب أمر غير منطقي ولا يمت للعلم بصلة، وشخصيا كنت في طرحي أستشهد بفلسفة منطقية فأقول: لو افترضنا أن الطبيب يستطيع أن يتولى الإدارة بنجاح فكأننا نفترض أن الإداري يستطيع إجراء جراحة بتفوق. هنا سوف أرد على من يحاول جاهدا إقناعنا أن الطبيب قد ينجح في الإدارة، وفي ردي سوف أستشهد بالواقع والوقائع، وهل ثمة دليل أقوى من الواقع؟ وهل ثمة إثبات أعظم من الوقائع؟ أما الواقع فيقول: إن جميع تجارب إدارة الأطباء للشؤون الصحية كانت فاشلة لأنها كانت اجتهادات عشوائية ووعودا عاطفية وتخبطات (لم تحقق لا تأمينا صحيا ولا استقبال طوارئ ولا سرير عناية مركزة ولا ولادة إلا بواسطة)، وانتهت إلى مقولة (الصحة مقبرة) وليس ذنب الصحة أنها لم توفق في متخصص، بدليل أن ثلاثة من المتخصصين بدءًا من غازي القصيبي -رحمه الله- ومرورا بتوفيق الربيعة إلى فهد الجلاجل جعلوا (الصحة حياة)، وأصبحنا -بفضل الله- ثم الرؤية الحكيمة مضرب المثل عالميا في الرعاية الصحية المرصعة بالنجاحات (نجاح التعاطي مع كورونا ونجاح التأمين الصحي وسهولة الحصول على استقبال طوارئ وسرير تنويم وسرير عناية مركزة وولادة وتوفر الأدوية). أما الوقائع فكثيرة جدا وأغلبها له علاقة بالغيرة المهنية، وتنافس ذوي المهنة الواحدة والتخصصات المتعددة، وهذه من أخطر سلبيات إيكال الإدارة الصحية للطبيب، فقد أدى ذلك إلى إعاقة نجاحات طبية عظيمة حتى لا تنافس أخرى، وقد كتبت كثيرا وقلت أكثر إن وطننا الغالي يتسع لأكثر من إنجاز في وقت واحد (زراعة الكبد وزراعة وجراحة القلب وعلاج العقم وجراحة الأوعية الدموية والليمفاوية الدقيقة وغيرها من التخصصات التي لو تولاها آنذاك إداري محايد لنجحت جميعا)، ومن الوقائع أن يلغي طبيب مشاريع من سبقه لمجرد تنافس مهني، فيستبدل مركزا حيويا نافعا بآخر أقل نفعا، والإداري لا يفعل ذلك، ومن السلبيات أن الطبيب فرد ضمن فريق صحي متعدد (صيادلة وأخصائيون وفنيون وممرضون) ومحاسبون ومهندسون وإداريون وقانونيون، وغالبا يتعصب للطبيب، وهذا ما يجعل استشاري العظام المناوب (on call) مثلا يرفض الحضور لعلاج ضحايا حادث ويتصل من مستشفى خاص بكل بجاحة رافضا الحضور (رغم تقاضيه بدل المناوبة)، ويرفض المدير الطبيب إنذاره بخطاب حفاظا على سمعة الأطباء، بينما يفصل موظف سنترال تأخر نصف ساعة!، الإداري المتخصص لا يفعل ذلك، ثم إن مستقبل الطبيب ومصدر رزقه المستقبلي في تجارة الطب، وهذا يفسر عدم تأييدهم للملف الطبي الموحد الذي يتم تفعيله حاليا بعد أن بقي في الأدراج عشرات السنين. أما القول بمقارنة الطبيب بالقاضي من حيث إدارة الفريق فمقارنة سطحية تنم عن جهل ومغالطة، فالقاضي يدير فريقا من تخصص واحد غير متنوع (قضاة أو كتاب عدل)، ومرجعيتهم واحدة هي الشرع أو القانون، وهو لا بد أن يكون من نفس التخصص وتدخلاته الإدارية محدودة ومفوضة لأهلها، ولا يقارن بالصحة ذات التخصصات المتعددة والمشاريع والقرارات والاستراتيجيات التي تقوم على فكر إداري متخصص والطبيب فيها عود في طرف حزمة. سألني أحدهم قائلا: لماذا تنتقد إدارة ذلك الطبيب؟ فقلت: لماذا لم تسألني.. لماذا أمتدحه كطبيب، وأنتقده كإداري؟ فهو حسب علمي مشرط جراحي لا يعلى عليه، ومشرط إداري لا يعوّل عليه.