إن النظام الإقليمي والنظام العالمي أمام مرحلة تاريخية مهمة من مراحل السياسة الدولية يحدد مُستقبلها مضيق هرمز وآلية المرور عبر مياهه، فإما فرض القانون الدولي الذي يساهم ببقاء النظام الإقليمي والدولي على وضعه الراهن، وإما القبول بالهيمنة الإيرانية الإقليمية المؤدية تباعاً إلى تعدد القطبية العالمية الأميركية الروسية الصينية.. بإعلان إيران إغلاق مضيق هرمز إغلاقاً تاماً أمام حركة الملاحة البحرية رداً على العمليات العسكرية الأميركية التي ابتدأت في 28 فبراير 2026م، تبدأ مرحلة جديدة من مراحل إعادة تشكيل النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وتتصاعد معه التساؤلات حول مستقبل النظام الدولي الذي سيتأثر تأثراً مباشراً بتركيبة وشكل وطبيعة النظام الإقليمي الذي يُعاد تشكيله. نعم، فإيران التي تتشارك النفوذ والتأثير الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط –المُمتد من إيران شرقاً وحتى موريتانيا غرباً، ومن تركيا شمالاً وحتى السودان واليمن جنوباً– مع دول أخرى مؤثرة في النظام الإقليمي وهي المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر، تتطلع إلى أن تُعيد تشكيل هذا النظام مُتعدد القطبية الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط ليصبح نظاماً إقليمياً أحادي القطبية الإيرانية. وهذه الرؤية والتطلع والتوجه الإيراني لتعزيز نفوذها، وفرض هيمنتها الأحادية على منطقة الشرق الأوسط، استراتيجية إيرانية، بعيدة المدى، خططت لها وعملت على تنفيذها مُنذُ تأسس نظام الخُميني قبل 47 عاماً في 1979م، والتي تمثلت في العناصر الرئيسة الآتية: 1) بناء نظام سياسي يقوم على أسس ثورية (أيديولوجية)، هدفها نشر الفوضى وزعزعة أمن واستقرار الشعوب والمجتمعات والدول العربية، حتى تتمكن من التوسع في أراضيهم والتحكم بسياساتهم وسرقة ثرواتهم. 2) تأسيس ميليشيات إرهابية مسلحة في المجتمعات العربية ودعمها وتمويلها، حتى تتمكن من السيطرة على النظم السياسية وتسخيرها لتنفذ أهداف إيران التوسعية. 3) المتاجرة بالقضية الفلسطينية، وتوظيف معاناة الفلسطينين من الاحتلال الإسرائيلي، ورفع الشعارات الشعبوية، لكسب تأييد وتعاطف الرأي العام العربي وتعبئته لقبول سياسات إيران التوسعية في الأراضي العربية. 4) السعي لامتلاك أسلحة نووية تمكنها من التفوق على المنافسين الإقليميين، وتعزز تأثيرها في السياسة العالمية. وإيران التي عملت على تنفيذ هذه الاستراتيجية التوسعية في منطقة الشرق الأوسط خلال ال 47 عاماً ابتداءً من 1979م، وجدت في مضيق هرمز الفرصة المناسبة لتعلن عن نفسها القوة الأولى في منطقة الشرق الأوسط، والدولة المؤثرة في حركة السياسة الدولية والاقتصادات العالمية ونسبة نموها. وهذه الرؤية الإيرانية قائمة على عدة عوامل، منها: 1) قدرة إيران على التحكم في إغلاق وفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية الدولية. 2) قدرة إيران على فرض مسألة مضيق هرمز في المفاوضات مع الولاياتالمتحدة. 3) قبول الولاياتالمتحدة مناقشة مسألة مضيق هرمز مع إيران. 4) قدرة إيران على التأثير المباشر بأسعار الطاقة العالمية بالتحكم بآلية المرور عبر مضيق هرمز. 5) تأييد روسياوالصين لسياسات إيران العدائية تجاه مضيق هرمز بتعطيل صدور قرار من مجلس الأمن يدين إيران ويتهمها بتهديد حرية الملاحة ويطالبها بحماية حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز. 6) صمت عدد كبير من الدول الآسيوية والأوروبية عن إدانة سياسات إيران العدائية بإغلاقها مضيق هرمز وتأثيرها السلبي على التجارة الدولية. وإذا كانت هذه العوامل تُعزز من مكانة إيران الإقليمية، فإن قبول الولاياتالمتحدة والمجتمع الدولي بالرؤية والتوجه والهيمنة الإيرانية المُطلقة على مضيق هرمز سوف يؤدي إلى النتائج التالية: 1) تحول النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط من نظام التعددية القطبية إلى نظام القطبية الأحادية الذي تهيمن عليه إيران وتحدد توجهاته السياسية والفكرية. 2) تحول النظام العالمي من نظام الأحادية القطبية الأميركية إلى نظام التعددية القطبية الذي تهيمن عليه الولاياتالمتحدةوالصينوروسيا. 3) تراجع مكانة وتأثير الولاياتالمتحدة في منطقة الشرق الأوسط لصالح الصينوروسيا. 4) تراجع نسبة النمو في الاقتصادات العالمية بسبب تصاعد نسبة عدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي الغنية بمصادر الطاقة، مما يؤثر سلباً على التوجهات الرأسمالية العالمية. 5) تصاعد نسبة تهديد الملاحة البحرية في المضائق المائية حول العالم تأثراً بالسياسات الإيرانية السلبية في مضيق هرمز. 6) تراجع مكانة القانون الدولي لصالح الأعمال العدائية والمتطرفة. وفي الختام، من الأهمية القول إن النظام الإقليمي، والنظام العالمي، مُنذُ فبراير 2026م، أمام مرحلة تاريخية مهمة من مراحل السياسة الدولية يحدد مُستقبلها مضيق هرمز وآلية المرور عبر مياهه، فإما فرض القانون الدولي الذي يساهم ببقاء النظام الإقليمي والدولي على وضعه الراهن، وإما القبول بالهيمنة الإيرانية الإقليمية، المؤدية تباعاً إلى تعدد القطبية العالمية الأميركية الروسية الصينية. نعم، إن على أطراف المجتمع الدولي أن يحدد مساراته المستقبلية بالتدخل لفرض القانون الدولي على مضيق هرمز إن أرادوا الأمن والسلم والاستقرار والازدهار، وإما بالصمت وقبول الشروط الإيرانية وهمينتها الإقليمية إن أرادوا نشر التطرف والإرهاب والهدم والخراب، وتدمير الاقتصادات والصناعات، وزعزعة أمن الشعوب وسلم المجتمعات واستقرار الدول.