يسألني أحدهم بنبرة ضجر: (ما لك لا تكفّ عن الحديث عن القرابة؟ ألم تجد في الدنيا موضوعًا سواها؟) وأبتسم... ابتسامة من تعب، لا من رضا. لأنني، يا صديقي، أكتب عنها لأنني أراها تنزف... أراها تموت على مهل. هل تتذكرون كيف كان رمضان؟ كان بيت الجد يفيض بالناس والضحك والدعوات... وكانت الصالة لا تتسع، وكان الأطفال يركضون بين أقدام العمّات والأعمام، وكان هناك شعور غريب، دافئ، بأنك لست وحدك في هذا العالم. اليوم؟ تتلقى تهنئة رمضانية على «الواتساب» - إن تلقيتها - من قريبك، دون أن تذكر متى رأيته آخر مرة. وقد تمر ليالي رمضان كاملة دون أن ترى خالك، ولا حتى ابن خالك. فما الذي جرى؟ كانت الأسرة ذات يوم، سلطة اجتماعية قائمة بذاتها. الابن لا يخرج من بيت والده حتى حين يتزوج، بل يضع سريره بجوار سرير أبيه... وحين يضيق المكان، يُبنى بيت جديد، ملاصق، كأنه امتداد عضوي للبيت الأول. السلطة للأب الكبير... الهيبة للجد... وكل فرد يعرف موقعه من خريطة الدم. أعرف رجلًا، لم يغادر بيت أبيه أبدًا. عاش فيه شابًا، وتزوج فيه، وربى أبناءه في نفس الغرفة التي كان ينام فيها وهو صغير. وحين قرر أن يزوّج ابنه، لم يغادره فرحًا بالحرية، بل خرج منه حزينًا، كأنما يترك قلبه خلفه. نحن اليوم نحمل أسماء العائلة فقط، لكننا لا نحمل صلتها. الغرب سبقنا في هذا... هناك، يترك الأب ابنه فور بلوغه سن الرشد، وتترك البنت بيتها وتبني حياتها من جديد. الكبار يُوضعون في دور الرعاية، ويُزارون في المناسبات. «والعائلة» تُختصر في رسالة بريدية. كنا نضحك عليهم. كنا نقول: «نحن لا نفعل ذلك» لكننا نفعل... ببطء، وبصمت، وبلا اعتراف. حين خاطب الله نبيه، قال له: «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» لأن القريب هو أول من يسمع، وأول من يصدّق، وأول من يدافع. أبو طالب لم يقل يومًا: «ما شأني بابن أخي!» ظل سندًا له حتى النهاية. لكننا اليوم، نبرر قسوتنا باسم الاستقلال. نهرب من بعض باسم «الخصوصية». ونقطع أواصرنا بحجة أن الزمن تغيّر. لكن الذي تغير حقًا... هو نحن. صارت العائلة شيئًا نشاهده في صور قديمة، أو نقرؤه في رواية حزينة، أو نسمعه من فم جد يحتضر. لست هنا لأبكي الماضي، بل لأشير إلى الجرح... هذا الجرح الذي يفتك بنا ونحن نبتسم، ونقول: «كل شيء بخير» فقط سؤال أخير، أتركه معك دون تعليق: متى كانت آخر مرة زرت فيها قريبًا دون سبب؟