من الرواد في هذا الوطن المعطاء، ومن الذين أسسوا وبنوا علم الآثار بجامعة الملك سعود، وأسهم إسهامات علمية تاريخية أثرية كتابياً وميدانها، أنه العالم والمؤرخ د. عبدالرحمن الطيب الأنصاري -رحمه الله-، الذي رحل عن عالمنا منذ مدة وجيزة مخلفاً وراءه إرثا علمياً لا ينسى عبر السنوات مدى الدهر، فكانت حياته كلها زاخرة بالإنجازات وشهد بذلك أقرانه وتلامذته الذي يعّدون بالمئات، وقد تخصص في النقوش والكتابات القديمة فيما قبل الميلاد وقبيل ظهور الإسلام، وكانت رسالة الدكتوراه التي نالها عن النقوش في مدينة العلا. ويُعد د. عبدالرحمن بن محمد الطيب الأنصاري -رحمه الله- أحد أبرز علماء الآثار والتاريخ في المملكة والعالم العربي، وقد جمع بين عمق العلم الأكاديمي وشغف الأدب والإدارة الناجحة والعطاء المجتمعي، وُلد في المدينةالمنورة -مسقط رأسه-، ودرس فيها حتى نهاية المرحلة الثانوية في المعهد العلمي السعودي، وقد توفى والده وهو في التاسعة من عمره، وكان قدوته ابن عمه عبدالقدوس الأنصاري، حصل شخصيتنا على درجة البكالوريوس في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة 1960م، ثم نال الدكتوراه من جامعة ليدز في إنجلترا عام 1966م بأطروحة بعنوان «تاريخ قبل الإسلام»، وعُرف د. الأنصاري منذ طفولته في المدينةالمنورة بحبه للقراءة والتاريخ، وقد تأثر كثيراً بابن عمه الشيخ والرائد المؤرخ بل العلامة عبد القدوس الأنصاري، الذي كتبنا عنه تقريراً وهو صاحب مجلة «المنهل». شعبة الآثار عاد د. عبدالرحمن الأنصاري -رحمه الله- إلى المملكة ليصبح أستاذاً جامعياً في قسم اللغة العربية ثم قسم التاريخ بجامعة الملك سعود، حيث أسس شعبة الآثار، ثم قسم الآثار والمتاحف، الذي أصبح أحد أهم الأقسام الأثرية في العالم العربي، وقد شغل مناصب إدارية رفيعة منها وكيل كلية الآداب ثم عميدها لفترتين، ورئيس قسم التاريخ، ورئيس قسم الآثار والمتاحف، وعميد مركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر، ورأس لجنة التعليم والبحث العلمي، وعُيِّن عضواً في مجلس إدارة الهيئة العليا للسياحة برئاسة الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وقد اختير شخصيتنا عضواً بمجلس الشورى لدورتيه الأولى والثانية، وهو عضو في كثير من اللجان العلمية، ومن جانب آخر، فإن والد شخصيتنا هو العالم اللغوي الفقيه محمد الطيب الأنصاري -رحمه الله-، الذي كوّن مدرسة علمية بالمسجد النبوي الشريف وتخرجت على يديه أجيال من التلاميذ أصبحوا علماء وأدباء وذوي قيادات رسمية عالية. شهرة ومكانة وفي صحيفة «الرياض» الاقتصادي بالعدد (15390)، وصدرت 2010م بشأن دخول الدرعية في قائمة التراث العالمي كحدث تاريخي يدعم صناعة السياحة السعودية، أوضح د. عبدالرحمن الطيب الأنصاري -عضو الجنة الاستشارية حينذاك- أن هذا الحدث بعث الفرحة في نفوس الأثريين من علماء ومهتمين، ذلك أن حدث تسجيل حي الطريف في قائمة التراث العالمي جاء بعد الاعتراف بمدائن صالح -الحجر- معلماً عالمياً، ما يدعم الجمعية السعودية للمحافظة على التراث التي أنشئت في سبيل دعم هذه النماذج التاريخية للتراث العمراني. وفي هذا السياق أكد الكاتب د. أحمد بن عمر الزيلعي في مقال تم نشره في جريدة اليمامة أنه لم يحظ أحد من الآثاريين الرواد بمثل ما حظي به الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن محمد الطيب الأنصاري من الشهرة والمكانة العلمية وكثرة العطاءات وتعدد الإنجازات، وتنوع الميادين التي شملتها إنجازاته وعطاءاته مؤرخاً، وعالماً آثارياً وأستاذاً مربياً وإدارياً ناجحًا، ورئيس فريق عمل، وكذلك باحثاً منقباً، وكاتباً مبدعاً، ذلك أن د. عبدالرحمن الأنصاري حينما عاد من بعثته في بريطانيا حاملاً شهادة الدكتوراه في الكتابات العربية القديمة عين أستاذاً مساعدًا في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، ثم انتقل بعد ذلك إلى قسم التاريخ بالكلية نفسها للعمل مدرساً للتاريخ القديم والنقوش السامية القديمة، ومنذئذ عُرف الدكتور الأنصاري أستاذا في فنه، متضلعا في مادته متحمسا في تدريسها، محبا لطلابه. رحلات استكشافية وأضاف د. الزيلعي: لم يكتف الدكتور عبدالرحمن الأنصاري بما حققه من نجاح في عمله أستاذاً جامعياً، وإنما سلك مسلكا آخر جديداً، وهو لا يزال في مقتبل حياته الوظيفية ذلك هو اهتمامه بالآثار، وبالرحلات الأثرية، والكشف الأثري، فاصطحب طلابه في رحلات أثرية استكشافية إلى مختلف مناطق المملكة، وأسس جمعية التاريخ والآثار السعودية التي استقطبت أعدادا كبيرة من المتخصصين والمهتمين والهواة من داخل الجامعة وخارجها، وبرز بوصفه عالم الآثار الوحيد المتخصص من أبناء المملكة في زمانه، ونشط نشاطاً ملحوظاً في الكشف والتنقيب حتى أصبح معدوداً في علماء الآثار البارزين، وتخطت شهرته الأوساط المحلية إلى عوالم أخرى خارجية، وكان الدكتور الأنصاري وراء التأهيل الأكاديمي لمعظم الرعيل الأول من أساتذة قسم الآثار من حيث تخصصهم الجامعي، وترشيحهم للعمل معيدين بالقسم، وابتعاثهم للدراسات العليا بالخارج، فضلاً عن زملاء آخرين من قسم التاريخ حينما كان رئيساً له قبل تأسيس قسم الآثار والمتاحف، فما من أحد من هؤلاء وأولئك إلاّ ويدين للدكتور الأنصاري بفضل الأسبقية والمشيخة والسير على خطاه في اختيار تخصصه والاقتداء به في رسم خارطة مسيرته العلمية والعملية.. انتهى كلامه. مؤلفات وإنتاج علمي وأصدر د. عبدالرحمن الأنصاري -رحمه الله- عشرات الكُتب والأبحاث، من أبرزها (قرية الفاو: صورة للحضارة العربية قبل الإسلام) -طبع بالعربية والإنجليزية 1402ه-، و(العلا والحجر: صورة من الحضارة العربية) -1406ه-، و(مصادر تاريخ الجزيرة العربية) -بالاشتراك 1399ه-، وكذلك (المواصلات والاتصالات في المملكة العربية السعودية 1319-1419ه)، وسلسلة (قرى ظاهرة على طريق البخور) -القطيف والأحساء، الباحة، خيبر، الجوف-، كما رأس تحرير «مجلة أدوماتو» الصادرة عن مؤسسة عبدالرحمن السديري 1420ه، كما ترأس لجنة الإشراف العلمي على سلسلة آثار المملكة الصادرة عن وكالة الآثار والمتاحف، وكذلك فقد شارك في موسوعة الأدب العربي السعودي، وفي موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين، التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. أوسمة وجوائز وحصل د. عبدالرحمن الأنصاري -رحمه الله- على العديد من الأوسمة والجوائز، منها وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من المملكة العربية السعودية 1402ه/ 1982م، وجائزة مؤسسة التقدم العلمي الكويتية، الكويت 1404ه / 1984م، ووشاح الثقافة والفنون من وزارة الثقافة بالجمهورية اليمنية 1419ه / 1998م، ودرع الآثاريين العرب، القاهرة 1422ه / 2001م، وميدالية 22 مايو الذهبية من رئيس الجمهورية اليمنية 1425ه / 2004م، وكذلك حصل على جائزة الأمير سلمان للريادة في تاريخ الجزيرة العربية، دارة الملك عبدالعزيز 1426ه / 2005م، وحصل على درع شوامخ المؤرخين العرب، اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة 1428ه / 2007م، إضافةً إلى أنه تم تكريمه من مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض 2016م تقديراً لجهوده في التاريخ والآثار واكتشافاته الأثرية، وحصل على وسام الملك خالد من الدرجة الأولى من المملكة العربية السعودية 1442ه / 2020م، كما تُرجم له أحمد سعيد بن سلم في (موسوعة الأدباء والكتاب السعوديين خلال مائة عام). مناطق المملكة وتتوزع مؤلفات د. عبدالرحمن الأنصاري -رحمه الله- على عدد من الإصدارات التي تؤرخ لأمكنة المملكة العربية السعودية وحضارتها، حيث جاء كتاب (قرية الفاو: صورة للحضارة العربية قبل الإسلام في المملكة العربية السعودية في عام 1982م)، ثم أعقبه كتاب (نجران: منطلق القوافل سنة 2003)، وفي 2005 تنوّعت إصداراته، فصدر له (العلا ومدائن صالح -الحجر- حضارة مدينتين)، و(حائل ديرة حاتم)، و(الطائف إحدى القريتين)، قبل أن يواصل عطاؤه عام 2006 بكتابي (خيبر: الفتح الذي سُر به النبي صلى الله عليه وسلم) و(الحضارة العربية الإسلامية عبر العصور في المملكة العربية السعودية)، ثم تتابعت مؤلفاته، فصدر كتاب (تيماء ملتقى الحضارات) 2007، يليه (الجوف: قلعة الشمال الحصينة) 2008، وفي 2009 نشر كتابي (عسير: حصن الجنوب الشامخ) و(الباحة: الجمال الباسم)، واستمر إنتاجه العلمي بعد ذلك، فأصدر (القصيم: تاريخ وحضارة وتجارة) 2012، ثم اختتم هذه السلسلة بكتاب الرياض: (عروس المدائن) 2015. وكُرِّم شخصيتنا بكتاب تذكاري ضخم بمناسبة بلوغه السبعين، أعده زملاؤه وتلامذته برئاسة الدكتور أحمد الزيلعي، وقدم له سمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز بمقدمة حافلة وثرية، كما كرّمه سمو الأمير فيصل بن عبدالله وأقيمت له ندوة تكريمية في مكتبة الملك عبدالعزيز برئاسة فيصل بن عبدالرحمن المعمر. تواضع وإقناع وكان د. عبدالرحمن الأنصاري -رحمه الله- معروفاً بتواضعه وقوة شخصيته وقدرته على الإقناع، يقول أحد زملائه: «كان يسمع الرأي المغاير ويتقبل آراء الأغلبية، لكنه يحمل الزملاء على تبني أفكاره في التطوير»، فقد أحب شخصيتنا التجديد وكره الركود، لذلك فبعد تقاعده أسّس مكتباً للدراسات التاريخية، واستمر في التأليف والإشراف على مجلة «المنهل» بعد وفاة ابن عمه، وأوصى بمكتبته لجامعة المدينةالمنورة، وشارك شخصيتنا بإرثه العلمي في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وقال محمد بن عبدالرزاق القشعمي في مقالته والتي نُشرت في «مجلة اليمامة» في عموده الصحفي «أعلام في الظل»، والتي كانت بعنوان «عبدالرحمن الطيب الأنصاري.. أستاذ الآثار وعاشق الأدب»: عرفت الدكتور عبدالرحمن خلال تردده على النادي الأدبي بالرياض وحضور مناسباته الثقافية، واختير عضواً بمجلس الشورى لدورتيه الأولى والثانية، وهو عضو في كثير من اللجان العلمية، محلية وعربية وعالمية، مثل المجلس الأعلى للآثار بالمملكة، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والهيئة الدولية لكتابة تاريخ الإنسانية التابع لمنظمة اليونسكو -انتهى كلامه-. سيرة حية وتحدث أحمد البوق في «مجلة القافية» عن د.عبدالرحمن الأنصاري -رحمه الله- قائلاً: علم الآثار وعبدالرحمن الأنصاري صنوان في المملكة العربية السعودية، لا يُذكر أحدهما إلاّ ويكون صاحبه حاضراً في الذاكرة، حضور الريحان البري في ذاكرة الجبال، فمن عوالم أبي الطيب المتنبي جاء الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الأنصاري إلى عوالم الآثار والتنقيبات الآثارية- انتهى كلامه-. وأخيراً توفي د.عبدالرحمن الأنصاري في مدينة الرياض بتاريخ 6 مارس، 2023م، ومع ذلك فإن سيرته بقيت حية في أجيال من الطلاب والأبحاث والمؤسسات التي أسسها، وقد أهدى مكتبته لجامعة المدينةالمنورة، إن سيرته –كما جمعها هؤلاء الكتاب والصحفيون– نموذج للعالم الوطني الذي جمع بين العلم والإخلاص والتواضع، كان رحمه الله آية في البحث والاستقصاء، ونحن نعلم أن البحث الميداني ومزاولة التعرف على النقش والكتابات وفك عباراتها يُعّد في حد ذاته عملاً شاقاً وكبيراً وفي الوقت نفسه، وبالغ الخطورة؛ لأنه يحتاج ترجمة دقيقة للنص المنقوش، فضلاً عن التعب والإرهاق والسهر في هذه الصحاري في فترة الحر والبرد، رحم الله الدكتور الأنصاري، وجعله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء، وألهم أبناء الوطن أن يسيروا على نهجه في خدمة العلم والتراث. يُعد أحد أبرز علماء الآثار والتاريخ في المملكة والعالم العربي بقيت سيرته حية لأجيال الطلاب والأبحاث والمؤسسات مشاركته في أحد لقاءات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة وُلد د. عبدالرحمن الأنصاري في المدينةالمنورة إعداد- صلاح الزامل