إن رفع نسب توطين مهن الإعلان والتسويق والعلاقات العامة ليس مطلبًا وظيفيًا فحسب، بل ضرورة وطنية ورهان على جودة الرواية الوطنية التي نرويها عن أنفسنا، إما أن تُكتب بأيدٍ تعرف تفاصيلها، أو تُعاد صياغتها بعيون عابرة.. في قاعة تخرّج مزدحمة بالوجوه الشابة، كانت الشهادات تُرفع كما لو أنها مفاتيح لأبواب واسعة. تخصصات حديثة، أسماء لامعة (تسويق، إعلان، علاقات عامة، تصميم، تحليل بيانات) لحظة مفعمة بالأمل، ثم تبدأ الرحلة الحقيقية خارج الأسوار. هناك في سوق العمل، تتبدل الصورة فالطريق أضيق مما بدا، والفرص أقل مما وُعِد به. المفارقة واضحة حيث الجامعات لا تتأخر عن مواكبة التحول. تُحدّث برامجها، تفتح مسارات جديدة، وتربط المناهج بسوق سريع التغيّر (ورش تدريب، شراكات، مشاريع تطبيقية) كل شيء يشير إلى أن هناك إعدادًا جادًا لجيل يفهم أدوات العصر فهو يبني حملة، يدير محتوى، يقرأ الجمهور، ويحوّل الفكرة إلى أثر. لكن عند نقطة العبور إلى الوظيفة، يحدث الانقطاع. لا شيء يسير بالوتيرة نفسها. في قطاعات الإعلان والتسويق والعلاقات العامة تحديدًا، تبدو الفجوة أكبر. كثافة في الخريجين، مقابل فرص محدودة للمواطنين. على الأرض، الحصة الأكبر لا تذهب لهم.. تُمنح لغيرهم، بأسباب ومبررات مستهلكة مثل (خبرة سابقة، تكلفة، شبكة علاقات) أو لنقل ببساطة لأن العادة استقرت على ذلك وتكون النتيجة طاقات محلية تتكدّس على الهامش، فيما السوق يستمر دونها. هذا الخلل ليس رقميًا فقط. له أثر عميق. حين يُقصى خريج مُؤهّل من بيئة صُنعت له، تتآكل الثقة. يتراجع الحافز. يتحول التخصص من فرصة إلى عبء. ومع الوقت، يتسع الفارق بين ما يُدرّس وما يُمارس. المعرفة تُراكم على الرفوف، بدل أن تتحول إلى قيمة اقتصادية وثقافية داخل السوق. الأمر لا يتوقف عند الفرد. المنظومة كلها تتأثر. قطاعات الاتصال والتسويق هي واجهة الاقتصاد. هي التي تروي القصة، وتبني الصورة، وتدير السمعة. عندما يغيب الصوت المحلي فيها، تغيب معه حساسية المكان، وتفاصيل المجتمع، ونبرة الخطاب التي يفهمها الجمهور. قد تنجح الحملات شكليًا، لكنها تفتقد العمق. تبدو ذكية.. لكنها لا تلامس. رفع نسب التوطين في هذه المهن ليس شعارًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية. لأن الاستثمار في الإنسان هنا يعود مباشرة على جودة الرسالة، وعلى قدرة السوق على المنافسة. وجود كوادر محلية يعني قراءة أدق للسلوك، وتواصلاً أقرب، وابتكارًا ينطلق من الداخل لا من قوالب جاهزة. كما أنه بحول الله يصنع دورة اقتصادية صحية من حيث دخل يعود للمجتمع، خبرة تتراكم محليًا، ومؤسسات تبني ذاكرة مهنية طويلة. ولكي يتحقق ذلك، لا يكفي تحديد نسب على الورق. المطلوب بيئة جاذبة حقيقية تتضمن مسارات واضحة للتدرج، برامج تدريب مدفوعة، شراكات بين الشركات والجامعات تبدأ قبل التخرج لا بعده. كذلك، إعادة تعريف "الخبرة" بحيث لا تكون عائقًا أمام الداخلين الجدد، بل مرحلة يمكن بناؤها بسرعة عبر التدريب المكثف والمشاريع التطبيقية. والأهم.. عزيمة وقناعة لدى أصحاب القرار بأن الكفاءة المحلية ليست خيارًا ثانويًا، وإقدامهم بعزم وحزم إلى هذه الساحة الوطنية. ثمة جانب آخر لا يقل أهمية مثل تصحيح الصورة الذهنية؛ في بعض الأحيان يُنظر إلى المواطن في هذه المهن على أنه أقل التزامًا، أو أعلى تكلفة. هذه أحكام عامة لا تصمد أمام الواقع إذا وُضعت في سياق مهني منظم. التجارب التي منحت الفرصة أثبتت العكس. الأداء يتحسن، والانتماء يصنع فارقًا في الاستمرارية، والولاء المؤسسي يرتفع. كما أن التقنية اليوم تُعيد تشكيل قواعد اللعبة. أدوات التسويق الرقمي، إدارة المنصات، تحليل البيانات والإعلان وبرامج العلاقات العامة كلها مجالات يبرع فيها شبابنا سريعًا إذا أُتيحت لهم المساحة وتمت تغطيتهم بمتابعة ورقابة وتقييم وتهيئة، لذا فإن تجاهل هذه الإمكانات خسارة مزدوجة: نخسر طاقة جاهزة، ونستورد خبرة يمكن بناؤها محليًا بكفاءة أعلى على المدى المتوسط. ويبقى القول: إن رفع نسب توطين مهن الإعلان والتسويق والعلاقات العامة ليس مطلبًا وظيفيًا فحسب، بل ضرورة وطنية ورهان على جودة الرواية الوطنية التي نرويها عن أنفسنا، إما أن تُكتب بأيدٍ تعرف تفاصيلها، أو تُعاد صياغتها بعيون عابرة. وبين الخيارين، يتحدد شكل السوق، ومعنى الفرصة، ومستقبل جيل ينتظر أن يجد مكانه الطبيعي لا الاستثنائي.