شريك فاعل في صناعة المستقبل وتنشيط السياحة تحوّلت المتاحف بالمملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة إلى أدوات استراتيجية فاعلة في حفظ الذاكرة الوطنية، وتعزيز الهوية، وصياغة سرد تاريخي معاصر يواكب التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها المملكة. ولم تعد المتاحف في المملكة مجرد مؤسسات ثقافية تقليدية تُعنى بحفظ المقتنيات وعرضها فقط. وفي سياق مشروع وطني واسع تقوده رؤية المملكة 2030، أعيد تعريف دور المتحف بوصفه مساحة معرفية حيّة، قادرة على الربط بين الماضي والحاضر، وتقديم التاريخ ليس كوقائع منتهية، بل كقصة مستمرة تشكّل الوعي الجمعي وتسهم في بناء المستقبل. وتبرز أهمية المتاحف السعودية اليوم في قدرتها على تحويل الذاكرة الوطنية من أرشيف مغلق إلى سرد مفتوح، يُقدَّم بلغة معاصرة تراعي تطور أدوات العرض وأساليب التلقي، وتخاطب مختلف الفئات العمرية والثقافية. فهي تحفظ الشواهد المادية للتاريخ، وفي الوقت ذاته تعيد تفسيرها ضمن سياقاتها الإنسانية والحضارية، بما يعزز الفهم العميق للجذور، ويكرّس الهوية الوطنية بوصفها هوية ديناميكية قادرة على التفاعل مع العالم دون فقدان خصوصيتها. إلى جانب ذلك، تلعب المتاحف دورًا متناميًا في تنشيط السياحة الثقافية، واستقطاب الزوار من الداخل والخارج، عبر تقديم تجارب معرفية متكاملة تعكس ثراء التاريخ السعودي وتنوعه. كما أسهم هذا الحراك المتحفي في بناء القوة الناعمة للمملكة، من خلال تقديم صورتها بوصفها دولة تستثمر في ثقافتها، وتحسن سرد تاريخها، وتخاطب العالم بلغة حضارية واثقة. وبهذا المعنى، لم تعد المتاحف مجرد حارسة للماضي، بل شريكًا استراتيجيًا في صناعة الوعي، وتعزيز الحضور الثقافي للمملكة إقليميًا ودوليًا. «متاحف متخصصة» حين نقول إن المتاحف بالمملكة العربية السعودية أصبحت أداة استراتيجية لحفظ الذاكرة الوطنية وبناء القوة الناعمة، فإن أول دلالة عملية على هذا التحول تتجسد في التوسع الأفقي المدروس في إنشاء المتاحف، سواء المتخصصة منها أو الإقليمية. فهذا التوسع لم يعد قائمًا على فكرة المتحف المركزي الذي يحتكر السرد التاريخي، بل اتجه نحو توزيع الذاكرة الوطنية على الجغرافيا، بحيث تصبح لكل منطقة، بل لكل مدينة، نافذتها الخاصة على التاريخ، تعبّر عن خصوصيتها الثقافية والاجتماعية ضمن إطار وطني جامع. وبهذا المعنى، لم تعد القصة السعودية تُروى من نقطة واحدة، بل عبر مسارات متعددة، تتكامل ولا تتنافس، وتثري السرد بدل أن تكرره. وقد أسهمت المتاحف المتخصصة في تعميق الفهم التاريخي عبر التركيز على موضوعات بعينها؛ كالتاريخ الاجتماعي، أو العمارة، أو الحِرف، أو الفنون، أو التراث البحري والصحراوي، ما أتاح الانتقال من العرض العام إلى التفسير العميق. وفي المقابل، جاءت المتاحف الإقليمية لتُنزل السرد الوطني إلى ذاكرة الناس اليومية، فتجعل التاريخ أقرب إلى التجربة المعاشة، وأكثر التصاقًا بالمكان والإنسان. وهذا التحول لا يمثل زيادة عددية في المتاحف بقدر ما يعكس إعادة تنظيم للمعنى؛ من قطعة معروضة في الفترينات إلى سياق تاريخي. وتشير موسوعات وطنية موثوقة إلى أن عدد المتاحف العامة والخاصة في المملكة شهد نموًا ملحوظًا؛ فبحسب ما أورده تقرير الحالة الثقافية لعام 2024 الصادر عن وزارة الثقافة، فقد تم تسجيل 107 متاحف عامة وخاصة مرخّصة داخل المملكة، مع تفوق واضح للمتاحف الخاصة التي بلغت 93 متحفًا (بنسبة 87 %) مقابل 14 متحفًا عامًا (بنسبة 13 %). والأهم أن هذا التوسع جاء متسقًا مع رؤية هيئة المتاحف، التي تؤكد سعيها إلى إنشاء وتطوير متاحف متميزة ومعاصرة وفق أفضل المعايير الدولية، وترسيخ الثقافة كنمط حياة. وهو تعريف يتجاوز مفهوم المتحف بوصفه أداة حفظ، ليضعه ضمن مشروع الهوية والسرد المعاصر. وبهذه الدلالة، يصبح انتشار المتاحف الإقليمية والمتخصصة ترجمة ميدانية واعية لفكرة المتاحف بوصفها ذاكرة وطنية مفتوحة، تُبنى من الأطراف إلى المركز بقدر ما تُبنى من المركز إلى الأطراف، وتُسهم في إعادة صياغة العلاقة بين التاريخ والمجتمع، وبين المكان والهوية. «مسار تنموي» ويتضح الربط العضوي بين المتاحف ومسارات التنمية المحلية عندما يُنظر إلى المتحف بوصفه مولّدًا لاقتصاد التجربة لا مجرد موقع للزيارة. فالزائر الذي يقصد المتحف بدافع المعرفة، لا يتحرك منفردًا، بل يحرّك معه سلسلة متكاملة من الأنشطة الاقتصادية؛ من الإقامة والضيافة والمقاهي، إلى شراء المنتجات الإبداعية، والمشاركة في الجولات الإرشادية، والورش التعليمية، والفعاليات الثقافية المصاحبة. وبهذا المعنى، يتحول المتحف من مكان ثابت إلى محرّك ديناميكي لدورة اقتصادية محلية، تتقاطع فيها الثقافة مع السياحة والاقتصاد الإبداعي. وهذا التحول ينسجم مع جوهر الطرح الذي يرى في المتحف أداة استراتيجية تُحسن سرد التاريخ، وتبني القوة الناعمة، وفي الوقت ذاته تسهم في التنمية المستدامة. وتزداد دلالة هذا الدور عند قراءة أرقام السياحة الوطنية؛ إذ استقبلت المملكة في عام 2024 نحو 115.9 مليون سائح من الداخل والخارج، بزيادة تقارب 6 % عن عام 2023، مع إنفاق قُدِّر بنحو 284 مليار ريال خلال العام نفسه، وفق ما أعلنته وزارة السياحة السعودية. كما تشير منصات البيانات الوطنية إلى أن عدد السياح توزّع بين 29.7 مليون سائح وافد و86.2 مليون سائح محلي، وهو ما يبرز حجم السوق المتاح للسياحة الثقافية، ويؤكد أن المتاحف قادرة على أن تكون أحد محركات هذا الطلب المتنامي. وفي هذا السياق، يصبح التوسع في المتاحف الإقليمية قرارًا تنمويًا بقدر ما هو قرار ثقافي؛ إذ يوزّع الجذب السياحي على مناطق متعددة، ويحوّل التاريخ المحلي إلى قيمة اقتصادية ناعمة، ويعزز العلامة الثقافية لكل مدينة. ومع تنامي الطلب على التجارب الثقافية، تتحول المتاحف إلى منصات قادرة على الاستدامة الذاتية عبر البرامج والمعارض المؤقتة ومتاجر الهدايا والتجارب التعليمية، بما يرسخ مفهوم اقتصاد معرفي يصنعه المكان، لا يعتمد على الموارد التقليدية، بل على الذاكرة والهوية والسرد. «متاحفنا تستجيب» وإعادة تقديم التاريخ السعودي برؤية حديثة لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة تفرضها تحولات المجتمع نفسه، وتغير علاقته بالمعرفة والذاكرة والهوية. فالمجتمع اليوم، خصوصًا فئة الشباب، لم يعد يكتفي بتلقي المعلومة في صورتها الجامدة، بل يبحث عن تجربة معرفية ممتعة، تقوم على السرد، والتفاعل، وربط الماضي بأسئلة الحاضر. ويتجلى ذلك في ارتفاع الإقبال على الفعاليات الثقافية، وتنوع أنماط الترفيه والتعلم، واتساع دائرة الاهتمام بالمحتوى الذي يجمع بين الفائدة والمتعة، لا بين التلقين والحفظ. وهنا تحديدًا يتشكل الجسر المفاهيمي بين هذه المقدمة وبين محور التوسع المتحفي. فالمتحف المعاصر لم يعد مجرد مستودع للقطع الأثرية، أو قاعة عرض للوثائق، بل أصبح منصة سردية وتجريبية، تُخاطب العقل والحس معًا. فصحة المعلومة العلمية، على أهميتها، لم تعد كافية وحدها، ما لم تُقدَّم ضمن قصة مقنعة، وتجربة تفاعلية قادرة على جذب الزائر وإشراكه في المعنى. وتعكس بيانات الهيئة العامة للإحصاء هذا التحول بوضوح؛ إذ أظهرت نتائج مسح الثقافة والترفيه الأسري لعام 2024 أن 81.6 % من السكان (15 سنة فأكثر) زاروا مكانًا واحدًا على الأقل من أماكن الفعاليات أو الأنشطة الثقافية، فيما يشارك 39.0 % في أنشطة ثقافية، وتصل نسبة قراءة الكتب إلى 48.5 %. وهذه الأرقام لا تمثل مجرد مؤشرات كمية، بل تكشف عن تغير عميق في أنماط السلوك الاجتماعي، وانتقال الثقافة من الهامش إلى قلب نمط الحياة اليومية. وفي هذا السياق، فإن توسع المتاحف المتخصصة والإقليمية لا يأتي بوصفه فرضًا مؤسسيًا، بل استجابة طبيعية لطلب اجتماعي متنامٍ على فضاءات المعرفة والهوية. ومع تغير أدوات التلقي، يتحول المتحف إلى مساحة تفاعلية حية، قادرة على تحويل التاريخ إلى سرد معاصر، وتعزيز الانتماء، وصناعة ذاكرة جماعية متجددة، وهو جوهر القوة الناعمة التي تتأسس عليها التنمية الثقافية المستدامة. «سلسلة قيمة» ومن أهم دلالات التوسع المتحفي أنه لا يعمل بوصفه مشروعًا ثقافيًا معزولًا، بل يفتح ما يمكن وصفه بسلسلة قيمة متكاملة تتقاطع فيها الثقافة مع السياحة، والضيافة، والصناعات الإبداعية، والتعليم، والإعلام الثقافي. فكل متحف جديد، ولا سيما في المناطق خارج المدن الكبرى، يخلق بالضرورة طلبًا على طيف واسع من الكفاءات مثل: مرشدين ثقافيين، وأمناء مجموعات، ومتخصصي ترميم، ومنتجي محتوى، ومصممي تجارب تفاعلية، وتقنيين، وإداريين. وهنا تتجسد عمليًا فكرة ربط المتاحف بمسارات التنمية المحلية، حين تتحول الهوية إلى وظائف، والمعرفة إلى مهارات، والتاريخ إلى استثمار طويل الأمد. وتعزز بيانات الهيئة العامة للإحصاء هذا الفهم؛ إذ أصدرت الهيئة نشرة إحصاءات المنشآت السياحية للربع الثاني 2024، ووفقا لنتائج النشرة بلغ إجمالي عدد المشتغلين في الأنشطة السياحية 959,175 مشتغلًا خلال الربع الثاني من عام 2024م، بنسبة ارتفاع تقدر ب 5.1% مقارنة بالربع نفسه من العام 2023، وبلغ عدد المشتغلين السعوديين 245,905 مشتغلين، بنسبة مشاركة قدرها 25.6 ٪ من الإجمالي. بينما بلغ عدد المشتغلين غير السعوديين 713,270 مشتغلًا، بنسبة مشاركة قدرها 74.4 %من إجمالي المشتغلين في الأنشطة السياحية. وهذه الأرقام، الصادرة ضمن إحصاءات سوق العمل السياحي، لا تعكس حجم القطاع فحسب، بل تكشف أيضًا عن فرصة نوعية لمزيد من التوطين المرتبط بالثقافة. فالتوسع في المتاحف، بوصفه جزءًا من منظومة السياحة الثقافية، يتيح تعزيز التوطين النوعي عبر وظائف معرفية وإبداعية مستدامة، لا وظائف موسمية عابرة. فالمتحف يحتاج إلى مهارات طويلة الأمد في البحث والأرشفة والتفسير والتعليم وإدارة تجربة الزائر، وهي مهارات قابلة للتطوير محليًا ومرتبطة بالاستقرار الوظيفي. كما أن توسع المتاحف المتخصصة يخلق وظائف دقيقة في مجالات مثل الترميم، والقياس المتحفي، وبناء السرد التاريخي، في حين يسهم توسع المتاحف الإقليمية في توليد وظائف أقرب للمجتمع المحلي، كالإرشاد الثقافي، وتنظيم الفعاليات، والتعليم المدرسي، وإنتاج المحتوى المحلي. وبهذا المعنى، يتحول المتحف إلى أداة مزدوجة: يحفظ الذاكرة الوطنية، ويُشغّل الاقتصاد المحلي، ويعيد تعريف التاريخ بوصفه موردًا لبناء المستقبل، لا مجرد مادة للحنين إلى الماضي. «قوة ناعمة» ولا تكتمل دلالة التوسع المتحفي إلا عند النظر إلى أثره في الصورة والسرد والمكانة، وهي الأبعاد الجوهرية لما يُعرف بالقوة الناعمة. فحين تتوزع المتاحف المتخصصة والإقليمية على امتداد الجغرافيا السعودية، فإنها لا توزّع مباني أو مقتنيات فحسب، بل تنشر معها سردًا وطنيًا متعدد الأصوات والطبقات. وهي حضارات ضاربة في القدم، وطرق تجارة عابرة للقارات، وتنوعًا بيئيًا لافتًا، وتحولات عمرانية متسارعة، وتكوينًا اجتماعيًا غنيًا. وهذا السرد، عندما يُقدَّم وفق معايير العرض الحديثة، يتحول من خطاب داخلي موجه للاستهلاك المحلي إلى خطاب ثقافي عالمي قابل للفهم والتفاعل. ويبرز هنا الدور المؤسسي الذي تضطلع به هيئة المتاحف، إذ تؤكد في استراتيجيتها العمل على إنشاء وتشغيل متاحف رائدة وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية، سواء في الحوكمة أو العرض أو تجربة الزائر. كما أن إطلاق منصتها الرسمية منذ عام 2021 بوصفها نافذة للتواصل والتعريف يعكس انتقال قطاع المتاحف من منطق العرض التقليدي إلى منطق الشفافية وبناء العلاقة المستدامة مع الجمهور، محليًا ودوليًا. ومن زاوية أشمل، تشير بيانات وزارة السياحة إلى أن المملكة حققت نحو 116 مليون رحلة سياحية داخلية ووافدة خلال عام 2024، وفق الإعلانات الرسمية للوزارة وبرنامج السياحة الوطني، وهو رقم يعكس اتساع الحضور السياحي وتنوع دوافع الزيارة، وفي مقدمتها السياحة الثقافية والتراثية.في هذا السياق، يصبح المتحف لغة من لغات الدولة الحديثة، ويعرض التاريخ بتوازن بين الدقة العلمية والجاذبية السردية، ويحوّل الذاكرة الوطنية إلى تجربة قابلة للتصدير ثقافيًا. ومع كل متحف إقليمي جديد، تتعزز قدرة المملكة على مخاطبة العالم بقصة متعددة الطبقات تُروى بثقة وبأدوات العصر، فتتحول من معرفة إلى احترام، ومن احترام إلى زيارة، ثم إلى شراكات وحضور ثقافي مستدام.