حين تنبض الأرض بالحقب المنسية في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. في شمال مدينة الخبر وعلى امتداد الساحل الشرقي، يقبع موقع الراكة الأثري بوصفه شاهدًا صامتًا على تحولات جزيرة العرب بين ما قبل الإسلام وصدره. اكتُشف هذا الموقع لأول مرة عبر المسح الأثري الرسمي عام 1977م، وظل لفترة طويلة دون تنقيب، حتى أُعيد فتح فصله من الذاكرة في عام 2009م على يد خبراء سعوديين من قطاع الآثار التابع لهيئة التراث. وقد تبيّن أن هذا الموقع لم يكن مجرد أرض مأهولة، بل مستوطنة حية تجمع بين الاستقرار والمعيشة والزراعة والحرف، تعود آثارها إلى نحو 1300 عام، مع تواصل بشري دام قرونًا. الرمل والرماد ليست منازل الراكة المكتشفة عاديةً في تفاصيلها، فطبقتها السفلى كانت مغطاةً بالرمل، تعلوها طبقة من الرماد القاسي، ما يرجح أنها تعرضت لتغيرات بيئية أو بشرية لاحقة. عُثر حتى الآن على نحو 20 منزلًا، تتكون معظمها من أربع غرف بمساحة تقارب 12×16 مترًا، مع فناء خارجي وأفران تعتمد نظام التنور، إضافةً إلى آبار دائرية الشكل بقطر يصل إلى مترين، وأحواض بيضاوية لتجميع المياه تتصل بها قناتان للصرف. هذه الخصائص المعمارية تدل على أن الراكة مجتمع متكامل يزاوج بين الحياة المنزلية والنشاط الزراعي، خاصة في ضوء وجود غرف مخصصة لصناعة دبس التمر، ما يؤكد وفرة النخيل في البيئة المحيطة آنذاك. حديث الهوية تميزت الحفريات في الراكة بالعثور على جرار فخارية بحالة ممتازة، إلى جانب قطع من الخزف المزجج، والزجاجيات، والحجر الصابوني، والقطع المعدنية. بعض هذه القطع يعود إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، أي إلى صدر الإسلام والعهدين الأموي والعباسي. اللافت أن هذه المكتشفات تمثل أدوات يومية كانت جزءًا من نمط حياة دقيق التنظيم. كما تنوعت الأدوات لتشمل مستلزمات طبية وقطعًا من الكائنات البحرية، في إشارة إلى تأثير الساحل الشرقي في تغذية النشاط الاقتصادي والمعيشي للسكان، وارتباطهم بالبحر بوصفه مصدرًا للغذاء والتبادل. إيقاظ الصمت برنامج التنقيب عن موقع الراكة يعد مشروعًا بحثيًا وعلميًا يقوده فريق سعودي بإشراف هيئة التراث، ضمن مشاريع تنقيب متعددة في المملكة، وقد تم التنقيب وفق خريطة شبكية دقيقة، قُسمت فيها التلال الثلاث بالموقع إلى مربعات بمساحة 10 أمتار لكل ضلع، وتم حفر 24 مربعًا وتم توثيق كل قطعة أثرية برقم تسلسلي وخريطة كنتورية كاملة. هذا المنهج العلمي الصارم منح الموقع مصداقية وأهمّية متزايدة، كما أسهم في ترسيخ مبادئ علم الآثار الحديث لدى الباحثين والمجتمع. ذاكرةٌ تُدرس في إطار التعاون مع الجامعات، أطلقت هيئة التراث برنامجًا مشتركًا مع جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، لتدريب طلاب وطالبات قسم التاريخ على تقنيات المسح والتنقيب الأثري. وقد بدأ البرنامج بتدريب 72 طالبة على أعمال التنقيب الميداني في الراكة، في تجربة تعليمية عملية عززت من إدراك الجيل الجديد لأهمية الآثار بوصفها جزءًا من هويتنا الوطنية. ويأتي هذا التدريب ضمن توجه استراتيجي لتعميق العلاقة بين التعليم والآثار، بما يحول المواقع الأثرية من أماكن للزيارة إلى مختبرات حية للتعلم. ختامًا: الراكة.. فصل مكتمل من ذاكرة الوطن موقع الراكة التراثي سجل تاريخي مكتمل الأركان، يروي تفاصيل الحياة في صدر الإسلام، ويعكس العمق المعماري والاجتماعي والاقتصادي للمنطقة الشرقية. وبين طبقات الرمل والرماد، نبضت مدينة مصغرة تركها قاطنوها، لكنهم تركوا لنا ما يجعلهم حاضرين إلى الأبد. ومع كل جرة تُستخرج، وكل خريطة تُرسم، تكتب الراكة صفحة منسية من كتاب الوطن، ينتظر أن يُقرأ بعين واعية، وشغفٍ لا ينطفئ.