من السمات الكبرى التي يلحّ عليها الكتاب أن القرآن، على امتداده وتنوع موضوعاته، يقوم في جوهره على الإيجاز المحكم. وليس المقصود بالإيجاز قلة الألفاظ فحسب، بل كثافة المعنى مع تمام البيان، بحيث تُؤدَّى المقاصد العظيمة في أقل العبارات، دون إخلال أو غموض، فالقرآن لا يعرف الحشو، ولا يسلك طريق الإطالة لمجرد التوضيح، بل يضع اللفظ بقدر الحاجة، فإذا تمّ المعنى وقف، وإذا اقتضى المقام بسطًا جاء البسط مضبوطًا لا زائدًا. وهذا الميزان الدقيق بين القصر والطول لا يتحقق عادة في كلام البشر؛ إذ يميل المتكلم إما إلى الاختصار المخل، أو إلى الشرح الممل. ويُبيّن كتاب (النبأ العظيم) أن الإيجاز القرآني يظهر في مواضع متعددة: في العقائد التي تُقرَّر بجمل قليلة، وفي التشريعات التي تُصاغ بألفاظ جامعة، وفي القصص التي تُروى دون إسهاب تاريخي، مكتفية بما يخدم العبرة. فكل لفظة تعمل عملًا، ولا تؤدي وظيفة زائدة عن موقعها. ومن أوجه هذا الإيجاز أن الآية الواحدة قد تفتح أبوابًا واسعة من المعاني، وتحتمل وجوهًا من الفهم، دون أن تكون مبهمة أو متناقضة. وهذا الاتساع في الدلالة مع ضبط اللفظ من خصائص الكلام العالي، لكنه في القرآن بلغ حدًّا لا يُجارى. كما أن الإيجاز لا يضعف الأثر النفسي، بل يزيده قوة؛ فالمعنى المركّز يعلق بالذهن، ويوقظ الفكر، ويدعو إلى التدبر، بخلاف الإطالة التي تُشبع السامع سريعًا ثم تُنسيه. ولهذا كان القرآن محفوظًا في الصدور، سهل التلاوة، عميق الأثر، مع أنه يحمل أصول الدين كلها. ويرى دراز أن هذا الإيجاز العام، الممتد في القرآن كله، لا يمكن أن يكون ثمرة تصرّف بشري متقطع، بل هو دليل على علم يحيط بالمعاني قبل الألفاظ، ويعلم كيف تُؤدَّى بأقل ما يمكن من الكلام، دون أن ينقص منها شيء.