يشنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما يصفه بعض المحللين بأنه أخطر تحرّك جيوسياسي تقوده واشنطن منذ إرساء النظام المالي العالمي بعد اتفاقية بريتون وودز. فالمسألة، وفق هذه القراءة، لا تتعلق بمجرد حرب تجارية أو نزاع اقتصادي عابر، بل باستراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة في الاقتصاد العالمي. تقوم هذه النظرية المتداولة على فرضية أن إدارة ترمب تسعى إلى القضاء على تحالف مجموعة بريكس، والحد من صعود الصين، مع تثبيت هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي لعقود مقبلة. وبينما تبقى هذه القراءة محل جدل، فإن تسلسل التحركات المفترضة يمنحها قدراً من الاهتمام والتحليل. فنزويلا: معركة الموارد في المرحلة الأولى، اتجهت الأنظار إلى فنزويلا، الدولة التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، إضافة إلى الليثيوم والذهب والمعادن النادرة. ووفق هذا التصور، لا يقتصر الاهتمام الأميركي على تغيير النظام السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى تأمين السيطرة على هذه الموارد الاستراتيجية. لطالما اعتمدت بكين، بشكل غير مباشر، على النفط الفنزويلي لتخفيف أثر العقوبات الغربية. وبالتالي فإن الضغط على كاراكاس يعني عملياً قطع أحد الشرايين المهمة التي تغذي الاقتصاد الصيني بالطاقة. إيران: تضييق خيارات الطاقة مع تراجع الإمدادات الفنزويلية، يُفترض أن تتجه الصين نحو إيران لتعويض النقص في النفط. ولكن مع المواجهة العسكرية القائمة، فإن بكين قد تفقد أحد أهم البدائل التي تعتمد عليها لتأمين احتياجاتها من الطاقة خارج منظومة النفوذ الغربي. كوبا: النفوذ في البحر الكاريبي حافظت موسكو على تعاون أمني واستخباراتي مع هافانا، بما في ذلك منشآت مراقبة واتصالات كانت تستخدم لمتابعة الأنشطة الأميركية. الصين كذلك وسعت نفوذها الاقتصادي في أميركا اللاتينية، وتعد كوبا جزءًا من هذه الاستراتيجية. فبكين تستثمر في البنية التحتية والطاقة والاتصالات في الجزيرة، ما يعزز حضورها الاقتصادي والسياسي في الكاريبي. الرئيس ترمب أعلن: "كوبا ستسقط أيضاً!"، وكان ترمب قد أكد سابقاً أن وزير الخارجية ماركو روبيو يتعامل مع كوبا على "مستوى رفيع جداً"، وأن هناك احتمالاً ل"سيطرة ودية". روسيا: المعادلة الأكثر حساسية الحلقة الرابعة هي الأكثر إثارة للجدل، إذ تفترض وجود ترتيبات غير معلنة مع روسيا. فمع ازدياد الضغوط الاقتصادية والسياسية وخسارة إيران والهند لصالح واشنطن، قد تجد موسكو مصلحة في إعادة توجيه جزء من صادراتها من الطاقة نحو الأسواق الغربية. في المقابل، قد تحصل روسيا على ضمانات لعائدات الطاقة ومسار تدريجي للعودة إلى النظام التجاري العالمي. وفي هذا السيناريو، تلعب كندا دور الوسيط الجغرافي والدبلوماسي، مستفيدة من علاقاتها في ملفي الطاقة والقطب الشمالي. النتيجة المحتملة ستكون تشكّل محور طاقة يضم أميركا الشمالية وروسيا، ما يضعف أحد أهم مصادر النفوذ الاستراتيجي للصين. إعادة تشكيل النظام المالي إذا تحقق هذا السيناريو، فإن القاعدة الاقتصادية التي تقوم عليها مجموعة بريكس قد تتعرض لاهتزاز كبير. ومع تقلّص خيارات الطاقة والحلفاء، قد تجد بكين نفسها مضطرة للتفاوض وفق شروط أكثر قرباً من المصالح الأميركية. في هذه الحالة، قد يشهد النظام المالي العالمي إعادة ضبط جديدة تعيد تمركزه حول واشنطن، مع استمرار الدولار في موقعه كعملة مهيمنة، وربما بدعم أكبر من احتياطيات الذهب. ورغم أن هذه القراءة تبقى في إطار التحليل والتقدير الاستراتيجي، فإنها تعكس حقيقة أساسية: الصراع الدائر اليوم يتجاوز التجارة والرسوم الجمركية، ليدخل في صلب إعادة رسم خريطة القوة في الاقتصاد العالمي وبذلك يتحقق شعار حملة الرئيس ترمب الانتخابية وهي "اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى".