استقرت أسعار النفط إلى حد كبير أمس الأربعاء، متجهةً نحو تسجيل أكبر خسائرها السنوية منذ عام 2020، حيث هيمنت مخاوف فائض العرض المستمرة على الأسواق طوال العام على الرغم من المخاطر الجيوسياسية المتكررة التي لم تُقدّم سوى دعم متقطع. ومن المتوقع أن تنخفض أسعار النفط بأكثر من 15 % في عام 2025، حيث تجاوز العرض الطلب في عام اتسم بالحروب، وارتفاع الرسوم الجمركية، وخفض إنتاج أوبك+، وفرض عقوبات على روسياوإيرانوفنزويلا. وتتجه العقود الآجلة لخام برنت، التي انخفضت بنسبة 18 % تقريبًا نحو تسجيل خسائر للعام الثالث على التوالي، وهي أطول سلسلة خسائر في تاريخها. وانخفض عقد مارس، الذي ينتهي يوم الأربعاء، 5 سنتات ليصل إلى 61.28 دولارًا للبرميل. وبلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 57.92 دولارًا، بانخفاض قدره 3 سنتات، ويتجه نحو انخفاض سنوي بنسبة 19 %. وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن أن متوسط أسعار عام 2025 لكلا المؤشرين هو الأدنى منذ عام 2020. تعكس هذه الخسائر الفادحة تزايد المخاوف بشأن فائض العرض، مدفوعة بشكل رئيسي بتحركات أوبك+ للتراجع عن تخفيضات الإنتاج التي دعمت الأسعار في السنوات السابقة. وبعد كبح الإنتاج خلال معظم عامي 2023 و2024، خففت مجموعة المنتجين تدريجياً القيود الطوعية في عام 2025، مما أضاف المزيد من البراميل إلى سوقٍ مُشبعةٍ أصلاً. أثرت هذه الزيادات، إلى جانب استقرار إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك وتباطؤ نمو الطلب العالمي عن المتوقع، سلباً على أسعار النفط الخام طوال العام. ويتطلع المستثمرون الآن إلى اجتماع أوبك+ المقرر عقده في 4 يناير، حيث من المتوقع أن يستعرض المنتجون أوضاع السوق ويناقشوا سياسة الإنتاج لأوائل عام 2026. ووفرت التوترات الجيوسياسية انتعاشاً مؤقتاً خلال العام، إلا أن تأثيرها كان قصير الأمد. وأثارت الهجمات على البنية التحتية للطاقة الروسية وسط الحرب في أوكرانيا مخاوف من انقطاع الإمدادات بشكل دوري. كما تصاعد الصراع الإسرائيلي-الحماسي والتوترات بين الولاياتالمتحدةوإيران في بعض الأحيان، مما جدد المخاوف بشأن احتمالية حدوث اضطرابات في تدفقات النفط في الشرق الأوسط. في سياق منفصل، أدت التوترات بين واشنطن وكاراكاس إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن الصادرات الفنزويلية، مما ساهم في دعم الأسعار لفترة وجيزة. ومع ذلك، طغى على هذه المخاطر المتعلقة بالإمدادات، مرارًا وتكرارًا، الخطاب السائد حول وفرة المعروض العالمي وارتفاع المخزونات. ويتوقع جيسون يينغ، محلل السلع في بنك بي إن بي باريبا، أن ينخفض سعر خام برنت إلى 55 دولارًا للبرميل في الربع الأول قبل أن يتعافى إلى 60 دولارًا للبرميل لبقية عام 2026، حيث من المتوقع أن يعود نمو العرض إلى مستواه الطبيعي بينما يبقى الطلب ثابتًا. وقال: "السبب وراء توقعاتنا المتشائمة أكثر من السوق على المدى القريب هو اعتقادنا بأن منتجي النفط الصخري الأميركيين تمكنوا من التحوط عند مستويات مرتفعة". لذا، سيكون المعروض من منتجي النفط الصخري أكثر استقرارًا وأقل تأثرًا بتقلبات الأسعار. وأفادت مصادر في السوق، نقلاً عن أرقام معهد البترول الأميركي الصادرة يوم الثلاثاء، أن مخزونات النفط الخام والوقود الأميركية ارتفعت الأسبوع الماضي. شهدت أسواق النفط بداية قوية لعام 2025 عندما أنهى الرئيس السابق جو بايدن ولايته بفرض عقوبات أشد على روسيا، مما أدى إلى تعطيل الإمدادات إلى أكبر مشترين، الصين والهند. تصاعدت حدة الحرب في أوكرانيا عندما ألحقت طائرات مسيرة أوكرانية أضرارًا بالبنية التحتية للطاقة الروسية وعرقلت صادرات النفط الكازاخستانية، كما هدد الصراع الإيراني الإسرائيلي الذي استمر 12 يومًا في يونيو، حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنقل النفط، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط. ومما زاد من حدة التوترات الجيوسياسية، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض حصار على صادرات النفط الفنزويلية وهدد بشن ضربة أخرى على إيران. لكن الأسعار انخفضت بعد أن سرّعت منظمة أوبك+ وتيرة زيادة إنتاجها هذا العام، ومع تزايد المخاوف بشأن تأثير الرسوم الجمركية الأميركية على النمو الاقتصادي العالمي ونمو الطلب على الوقود. أوقفت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وحلفاؤها زيادات إنتاج النفط للربع الأول من عام 2026 بعد ضخ نحو 2.9 مليون برميل يوميًا في السوق منذ أبريل. يتوقع معظم المحللين أن يتجاوز العرض الطلب العام المقبل، حيث تتراوح التقديرات بين 3.84 ملايين برميل يوميًا وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، ومليوني برميل يوميًا وفقًا لبنك غولدمان ساكس. ويقول مارتين راتس، استراتيجي النفط العالمي في بنك مورغان ستانلي: "إذا انخفض السعر بشكل كبير، أتوقع أن نشهد بعض التخفيضات من جانب أوبك+. لكن من المرجح أن ينخفض السعر أكثر من ذلك بكثير، ربما إلى ما يقارب 50 دولارًا". ويضيف: "إذا استمر السعر على ما هو عليه اليوم، فبعد فترة التوقف في الربع الأول، من المرجح أن تستمر أوبك+ في التراجع عن هذه التخفيضات". ويتوقع جون دريسكول، المدير الإداري لشركة الاستشارات جيه تي دي إينرجي، أن تدعم المخاطر الجيوسياسية أسعار النفط على الرغم من أن المؤشرات الأساسية تشير إلى فائض في العرض. وقال: "الجميع يتوقع أن يتراجع العرض حتى عام 2026 وما بعده". لكنني لن أتجاهل الجغرافيا السياسية". في تطورات الأحداث المؤثرة على أسواق الطاقة، أظهرت البيانات استمرار وصول ناقلات النفط إلى فنزويلا رغم الحصار الأميركي. وصلت ناقلتان نفطيتان على الأقل إلى فنزويلا في الأيام الأخيرة، بينما تتجه ناقلات أخرى نحو البلاد، في مؤشر على جهود شركة النفط الحكومية الفنزويلية "بتروليوس دي فنزويلا" لتوسيع سعة التخزين العائمة ومواصلة بيع النفط الخام حتى في ظل الحصار الأميركي الذي أدى إلى خفض الصادرات إلى أدنى حد. أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الشهر فرض حصار على جميع السفن الخاضعة للعقوبات التي تدخل المياه الفنزويلية أو تخرج منها، وذلك في إطار استراتيجية للضغط على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد أدى هذا الإجراء الأميركي إلى خفض صادرات النفط هذا الشهر إلى نحو نصف مستواها في نوفمبر. تمتلك الولاياتالمتحدة ست عشرة شحنة كاملة من النفط الفنزويلي، وتقوم سفنها بدوريات في البحر الكاريبي. وقد أثار هذا الضغط مخاوف العديد من مالكي السفن، ما دفعهم إلى تغيير مساراتهم والعودة أدراجهم. ولم يلتزم سوى عدد قليل من السفن بمسارها نحو الدولة العضو في منظمة أوبك. وفي إطار عمليات المقايضة والترتيبات التي أُبرمت منذ فرض العقوبات الأميركية على قطاع الطاقة في البلاد عام 2019، تدفع إدارة مادورو ثمن قائمة طويلة من المشتريات والخدمات بالنفط، بما في ذلك خدمة الدين للصين. والسفينتان اللتان تقتربان من فنزويلا جزء من أسطول تستخدمه الصينوفنزويلا لسداد خدمة الدين بشحنات نفط خام متجهة إلى الموانئ الصينية. ولم يتضح بعد ما إذا كانت الصين ستضغط للحصول على إعفاء أميركي لضمان تسليم هذه الشحنات. تتفاوض شركة "بتروليوس دي فنزويلا" هذا الشهر مع عملائها بشأن تخفيضات الأسعار وتعديلات العقود لتجنب إعادة الشحنات أو خفض إنتاج النفط الخام. لكن مصادر في الشركة أفادت بأن العديد من المشترين بدأوا ينفد صبرهم لعدم وجود بدائل حقيقية لإخراج شحنات النفط من البلاد، حتى في ناقلات غير خاضعة للعقوبات. وأجبر هجوم إلكتروني شركة "بتروليوس دي فنزويلا" على إغلاق نظامها الإداري المركزي في ديسمبر. وتُقلّص الشركة حاليًا وتيرة تسليم الشحنات في موانئها، وذلك لتلبية مواعيد التحميل للتصدير وتخزين النفط الخام والوقود في السفن، ما يُوسّع طاقتها التخزينية. وأظهرت بيانات الشحن ووثائق شركة النفط الفنزويلية "بتروليوس دي فنزويلا" أن السفن المحملة الوحيدة المغادرة هي ناقلات شيفرون، التي تواصل الإبحار إلى الولاياتالمتحدة بتفويض من واشنطن، بالإضافة إلى سفن صغيرة تحمل مشتقات النفط والبتروكيماويات. في عام 2020، أجبرت واشنطن، في موقف مماثل، البلاد على اللجوء إلى وسطاء غير معروفين لمواصلة بيع نفطها للمشترين الصينيين، وذلك عندما صعّدت الضغط على مادورو بفرض عقوبات على شركاء "بتروليوس دي فنزويلا" التجاريين الرئيسيين. أدت تلك الإجراءات الأميركية إلى خفض إنتاج النفط، وإغلاق حقول النفط، ونقص حاد في وقود السيارات. استغرقت فنزويلا سنوات للوصول مجدداً إلى إنتاج مليون برميل يومياً، واستعادة بعض طاقة التكرير، وتحقيق استقرار الصادرات. وحتى هذا الأسبوع، شوهدت نحو عشرين ناقلة نفط من الشاطئ قرب ميناء خوسيه، تنتظر مواعيد التحميل أو تعليمات المغادرة. وارتفع حجم النفط العالق في الناقلات التي لم تغادر بعد إلى نحو 16 مليون برميل، بعد أن كان 11 مليون برميل في منتصف ديسمبر، وفقاً للبيانات والوثائق. في وقت، زاد إنتاج النفط الخام في فنزويلا إلى 1,142 مليون برميل يومياً في نوفمبر من 1,132 مليون برميل يومياً في أكتوبر 2025. وبلغ إنتاج النفط الخام في فنزويلا متوسط 2,191.38 مليون برميل يوميًا منذ عام 1973 حتى عام 2025، ووصل إلى أعلى مستوى على الإطلاق بلغ 3,453 مليون برميل يوميًا في ديسمبر عام 1997، وسجل أدنى مستوى قياسي بلغ 392 ألف برميل يوميًا في يوليو عام 2020. وبدأت فنزويلا إغلاق آبار نفطية في منطقة تضم أكبر احتياطيات نفطية في العالم، نتيجة الحصار الذي فرضته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بهدف تضييق الخناق المالي على البلاد. يعكس القرار اختباراً صعباً لواقع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي حاول طوال فترة الحصار الحفاظ على الصادرات النفطية التي تشكل عصب الاقتصاد في الدولة الواقعة بأميركا الجنوبية. ويُنظر إلى إغلاق الآبار كخيار أخير، نظراً للتحديات التشغيلية والكلفة المرتفعة لإعادة تشغيلها. وتهدف الخطة إلى إغلاق الآبار أولاً في قسم النفط شديد الثقل بحزام أورينوكو في منطقة جونين، ثم الانتقال لاحقاً إلى بقية الأقسام، أياكوتشو وكارابوبو، التي تحتوي على نفط أقل ثقلاً. وتُعدّ الصين المشتري الرئيس للنفط الفنزويلي. وكانت الولاياتالمتحدة قد فرضت عقوبات على فنزويلا في عام 2019، وفي وقت سابق من هذا الشهر أمر الرئيس ترمب بفرض حصار عسكري، قائلاً إنه ضروري لوقف نشاط عصابات تهريب المخدرات.