قيام الدولة السعودية بُعد تاريخي عميق يتجاوز اللحظة السياسية نحو الامتداد الحضاري والاجتماعي للمنطقة الدرعية مركز حضاري انطلقت منه شرعية الدولة السعودية وادي حنيفة حاضنة الاستقرار ومهد التجمعات العمرانية الإمام محمد بن سعود وبداية التنظيم السياسي المركزي المنقور وابن غنام توثيق مبكر لملامح التأسيس الأمن ركيزة قيام الدولة وترسيخ ازدهار التجارة يمثّل يوم التأسيس السعودي الموافق الثاني والعشرين من فبراير من كل عام مناسبة وطنية ذات دلالة تاريخية عميقة، تستحضر بدايات الدولة السعودية الأولى عام 1727م، حين تولّى الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية، لتبدأ مرحلة جديدة من التنظيم السياسي والاستقرار في قلب الجزيرة العربية. ولا يقتصر يوم التأسيس على كونه حدثًا سياسيًا، بل يُعد محطة مفصلية في تاريخ نجد الاجتماعي والثقافي والعمراني، إذ شكّل نقطة تحول من مرحلة التشرذم السياسي إلى قيام كيان مركزي ذي سلطة ونظام. الدرعية مركز حضاري متجذر وتكشف المصادر التاريخية النجدية المبكرة أن الدرعية لم تكن موضعًا عابرًا في التاريخ، بل كانت مركزًا حضريًا وسياسيًا ذا جذور ضاربة في القدم، الأمر الذي منح قيام الدولة السعودية فيها بُعدًا تاريخيًا عميقًا يتجاوز اللحظة السياسية إلى الامتداد الحضاري والاجتماعي للمنطقة. وادي حنيفة ومقومات الاستيطان وتشير المصادر النجدية إلى أن وادي حنيفة كان من أهم مراكز الاستيطان النجدي منذ عصور مبكرة، لما يتمتع به من مقومات طبيعية ومائية أسهمت في قيام التجمعات السكانية والزراعية. وقد تميّزت الدرعية، الواقعة في هذا الوادي، بموقعها الاستراتيجي الذي جعلها مركزًا للتجارة والزراعة والاستقرار الاجتماعي. المنقور شاهد مرحلة ما قبل التأسيس ويُعد المؤرخ أحمد بن محمد المنقور (1067–1125ه / 1657–1713م) من أقدم المؤرخين النجديين الذين وثّقوا أخبار بلدان نجد وأحداثها السياسية والاجتماعية. ويكتسب تاريخ المنقور أهمية خاصة كونه مؤرخًا سابقًا لقيام الدولة السعودية الأولى، مما يجعل تدويناته شاهدًا تاريخيًا على مرحلة ما قبل التأسيس. وقد دون المنقورعن الدرعية وغُصيبة وأشار إلى أحداثها السياسية والاقتصادية وأسماء امرائها وعلمائها وأهم شخصياتها، مما يدل على وجود تنظيم سياسي محلي ونشاط اقتصادي مبكر. ملامح المجتمع النجدي قبل الدولة وتظهر من تدوينات المنقور صورة مجتمع مستقر نسبيًا، يتمتع ببنية اقتصادية قائمة على الزراعة والتجارة، ويشهد تنافسًا سياسيًا بين الأسر الحاكمة والكيانات المحلية، وهو ما يُبرز الحاجة إلى قيام سلطة مركزية قوية قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني. ابن غنام وتوثيق نشأة الدولة وقد تناول المؤرخ حسين بن غنام (ت 1225ه / 1810م) في كتابه روضة الأفكار والأفهام نشأة الدولة، موضحًا الدور السياسي للإمام محمد بن سعود في توسيع نفوذها. ويُعد ابن غنام مصدرًا معاصرًا للأحداث، إذ عاصر المرحلة الأولى من قيام الدولة السعودية الأولى، وسجّل أحداثها السياسية والعسكرية والاجتماعية. ابن لعبون وتسمية الدولة السعودية كما تبرز أهمية تاريخ بن لعبون لمؤلفه الشيخ حمد بن محمد بن لعبون توفي بعد (1260ه / 1844م ) الملقب بمؤرخ الدولتين الأولى والثانية الذي عاصر احداث التأسيس وهو من أوائل المؤرخين الذي أشار الى قدم تسمية الدولة بالسعودية منذ زمن مبكر. عثمان بن بشر واتساع النفوذ كما وثّق المؤرخ عثمان بن بشر (ت 1290ه / 1873م) في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد تطور الدولة السعودية الأولى واتساع نفوذها السياسي والعسكري، مسلطًا الضوء على مراحل نشأتها وتوسعها في الجزيرة العربية. ويتميّز ابن بشر بمنهجه التاريخي وتتبّعه للأحداث السياسية والاجتماعية في نجد، مما يجعل كتابه مرجعًا أساسيًا لفهم تاريخ الدولة السعودية المبكر. الاستمرارية بين الدول السعودية كذلك لا تقتصر أهمية يوم التأسيس على قيام الدولة السعودية الأولى، بل تكمن دلالته في كونه بداية سلسلة تاريخية متصلة للدولة السعودية عبر ثلاثة قرون. فقد أعقب الدولة السعودية الأولى قيام الدولة السعودية الثانية في القرن التاسع عشر، ثم توحيد المملكة العربية السعودية الحديثة عام 1932م على يد الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود طيب الله ثراه. مفهوم الاستمرارية السياسية وتُظهر هذه السلسلة مفهوم الاستمرارية السياسية في التاريخ السعودي، حيث لم يكن قيام المملكة حدثًا منفصلًا، بل نتيجة تطور تاريخي متدرج امتد عبر مراحل متعددة من البناء السياسي والمؤسسي. ويعكس هذا المفهوم قدرة المجتمع النجدي على إعادة بناء الدولة رغم التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك الصراعات المحلية والتدخلات الإقليمية. البعد الاجتماعي والثقافي للتأسيس ويعكس يوم التأسيس أيضًا البعد الاجتماعي والثقافي لتاريخ نجد، إذ شهدت مرحلة قيام الدولة السعودية الأولى تبلور الهوية السياسية والاجتماعية للمنطقة. فقد أسهم قيام الدولة في توحيد القبائل والمجتمعات المحلية ضمن إطار سياسي موحد وتحت قيادة واحدة قائمة على العدل وإقامة الشريعة مما أدى إلى نشوء مفهوم الانتماء السياسي للدولة بدلًا من الولاءات المحلية الضيقة. التنظيم الإداري والاقتصادي كما شهدت تلك المرحلة تطورًا في التنظيم الإداري المحلي، وتنظيم الشؤون المالية والقضائية، وهو ما أسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز النشاط الاقتصادي والتجاري. وقد انعكس ذلك في ازدهار الأسواق والطرق التجارية، وانتعاش العمران في جميع مناطق المملكة العربية السعودية. الأمن مرتكز قيام الدولة وتُظهر دراسة نشأة الدولة السعودية أن الأمن كان أحد أهم مرتكزات قيام الدولة واستمرارها. فقد مثّل الاستقرار الأمني عاملًا رئيسًا في ازدهار العمران وانتعاش التجارة وتثبيت السلطة السياسية. وأسهمت الدولة السعودية الأولى في إنهاء حالة التنازع والاضطراب التي كانت سائدة في أجزاء واسعة من الجزيرة العربية، وأقامت نظامًا يضمن حماية الطرق والأسواق والمجتمعات المحلية وحماية الحاج. الأمن سمة الدولة الحديثة واستمر مفهوم الأمن بوصفه ركيزة أساسية في الدول السعودية المتعاقبة، حتى أصبح أحد أبرز سمات الدولة السعودية الحديثة. فقد قامت المملكة العربية السعودية على مبدأ حفظ الأمن الداخلي وحماية الحدود وصون الاستقرار الاجتماعي والسياسي، مما جعلها نموذجًا للدولة المستقرة في منطقة تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة. الدرعية رمز التأسيس ويُعد الأمن اليوم أحد أهم عوامل التنمية الشاملة، إذ لا يمكن تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية إلا في ظل بيئة آمنة ومستقرة. وقد أثبت التاريخ أن الاستقرار السياسي والأمني هو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أدركه قادة الدولة السعودية منذ نشأتها الأولى. الدرعية في الدراسات الحديثة وتمثل الدرعية رمزًا حضاريًا وسياسيًا في تاريخ الدولة السعودية، فهي ليست مجرد موقع جغرافي، بل مركز تأسيس الدولة ونقطة انطلاق مشروع سياسي امتد لقرون. وقد شهدت الدرعية تطورًا عمرانيًا وثقافيًا ملحوظًا، حيث كانت مركزًا للعلم والتجارة والسياسة. قراءة معاصرة ليوم التأسيس وقد أظهرت الدراسات التاريخية الحديثة أهمية الدرعية في تاريخ الجزيرة العربية، باعتبارها نموذجًا للمدن النجدية التي لعبت دورًا محوريًا في التحولات السياسية والاجتماعية. كما أصبحت الدرعية اليوم موقعًا تراثيًا عالميًا مسجّلًا في قائمة التراث العالمي لليونسكو، مما يعكس قيمتها التاريخية والثقافية العالمية. الذاكرة الوطنية وتعزيز الوعي في السياق المعاصر، أصبح يوم التأسيس مناسبة وطنية لإعادة قراءة تاريخ الدولة السعودية المبكر قراءة علمية منهجية، تُبرز جذورها التاريخية العميقة في قلب الجزيرة العربية، وتؤكد أن قيام المملكة لم يكن حدثًا عابرًا، بل نتيجة تسلسل تاريخي امتد لقرون من البناء السياسي والاجتماعي. البعد السياسي والفكري ويمثل يوم التأسيس محطة تاريخية مرجعية لفهم نشأة الدولة السعودية وتطورها، كما يُجسد ذاكرة وطنية راسخة تستند إلى مصادر تاريخية محلية موثوقة وثّقت أحداث نجد وتحولات السلطة فيها منذ القرن الثامن عشر. ويُسهم الاحتفاء بيوم التأسيس في تعزيز الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة، وربط الحاضر بالماضي، واستلهام الدروس التاريخية في بناء المستقبل. نموذج القيادة السياسية يحمل يوم التأسيس بعدًا سياسيًا وفكريًا مهمًا، إذ يعكس فكرة الدولة الوطنية المبكرة في الجزيرة العربية، ويُبرز قدرة المجتمع النجدي على بناء نظام سياسي مركزي في بيئة صحراوية قاسية. كما يعكس مفهوم الشرعية السياسية القائمة على البيعة والتوافق الاجتماعي، وهو ما شكّل أساس الحكم في الدولة السعودية عبر مراحلها المختلفة. الهوية الوطنية السعودية كما يُبرز يوم التأسيس دور القيادة في توحيد المجتمع وتحقيق الاستقرار، حيث مثّل الإمام محمد بن سعود نموذجًا للقيادة السياسية القادرة على الجمع بين القوة السياسية والدعم الاجتماعي والديني. واستمر هذا النموذج القيادي في تاريخ الدولة السعودية، وصولًا إلى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي وحّد المملكة العربية السعودية الحديثة. يُعد يوم التأسيس عنصرًا مهمًا في بناء الهوية الوطنية السعودية، إذ يُسهم في ترسيخ الشعور بالانتماء التاريخي للدولة والمجتمع. فالهوية الوطنية ليست مجرد مفهوم حديث، بل هي نتاج تاريخ طويل من التفاعل الاجتماعي والسياسي والثقافي. تعزيز الثقة بالمصادر المحلية ويُسهم الاحتفاء بيوم التأسيس في تعزيز الوعي بالتاريخ المحلي، وإبراز دور المصادر النجدية في توثيق أحداث المنطقة، مما يعزز الثقة بالموروث التاريخي المحلي بوصفه مصدرًا أساسيًا لفهم التاريخ الوطني. الامتداد بين الماضي والحاضر لا يقتصر يوم التأسيس على البعد الرمزي والتاريخي، بل يمتد إلى الحاضر والمستقبل، حيث يُبرز مفهوم الاستمرارية بين الماضي والحاضر. فقد قامت الدولة السعودية الحديثة على إرث تاريخي طويل من التنظيم السياسي والأمني والاجتماعي، واستفادت من هذا الإرث في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. المملكة في السياق الدولي وتُعد المملكة العربية السعودية اليوم واحدة من أبرز الدول المؤثرة إقليميًا ودوليًا، بفضل استقرارها السياسي والأمني، ورؤيتها التنموية الطموحة، التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز التنمية المستدامة. ويُظهر هذا الواقع المعاصر امتدادًا طبيعيًا لمسار التأسيس التاريخي الذي بدأ في الدرعية قبل ثلاثة قرون. رمزية التأسيس عبر القرون وعليه، فإن يوم التأسيس لا يرمز فقط إلى قيام كيان سياسي في التاريخ، بل يرمز أيضًا إلى بداية عصر من الاستقرار والأمن والتنظيم السياسي والاجتماعي الذي امتد عبر ثلاثة قرون، وأسهم في بناء دولة قوية قادرة على حماية مجتمعها وتحقيق الازدهار لمواطنيها. كما يُجسد يوم التأسيس ذاكرة وطنية تاريخية تؤكد عمق التجربة السياسية السعودية، وتجعل من التاريخ المحلي مصدرًا أساسيًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. الجذور التاريخية في المصادر النجدية إن قراءة تاريخ الدولة السعودية في ضوء المصادر النجدية المبكرة، مثل كتابات أحمد بن محمد المنقور، وحسين بن غنام، وعثمان بن بشر، وبن لعبون وغيرهم تُبرز عمق الجذور التاريخية للدولة، وتؤكد أن قيام المملكة العربية السعودية لم يكن حدثًا طارئًا، بل نتيجة مسار تاريخي طويل من البناء السياسي والاجتماعي والثقافي. أهمية القراءة العلمية للتاريخ وفي ظل الاحتفاء بيوم التأسيس، تتجدد أهمية دراسة التاريخ الوطني قراءة علمية نقدية، تُبرز دور القيادة والمجتمع والأمن في بناء الدولة، وتُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الوعي التاريخي لدى الأجيال القادمة. حفظ الله وطننا وقادتنا، وأدام على المملكة العربية السعودية نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.