أسسها الملك عبدالعزيز على ركائز متينة.. السعودية.. نموذج فريد للوحدة في العصر الحديث    أرسى دعائمها الملك المؤسس.. التعاون والاحترام المتبادل مرتكزات راسخة في السياسة الخارجية    عز متجذر.. وهوية لا تغيب    جسدت قوة عزيمته لنماء وازدهار الوطن.. قصة نفط الخير في عهد الملك عبدالعزيز    23 فعالية وطنية وثقافية وتراثية ضمن احتفاء أمانة منطقة تبوك بيوم التأسيس السعودي لعام 2026    مكتسبات كبرى ونمو مستدام.. 4.7 تريليون ريال حجم الاقتصاد السعودي    المملكة تدين وتستنكر ما تضمنته تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى إسرائيل    مندوب المملكة يشارك في جلسة مجلس الأمن بشأن الوضع في السودان    الملك عبدالعزيز يقدم أول كأس ملكية في كرة القدم    سمو ولي العهد يهنئ رئيسة وزراء اليابان بمناسبة إعادة انتخابها    مواعيد محددة لزوار الروضة الشريفة    "هيئة الطرق": انطلاق مبادرة "إفطارك علينا" لتعزيز السلامة المرورية وقيم التكافل    اعتزاز بالجذور العريقة والتلاحم الوثيق.. 299 عاماً من المجد    نائب أمير تبوك : يوم التأسيس مناسبة نستذكر بها أمجاد من بنوا وأسسوا لهذا الكيان العظيم    منظومة متكاملة    وزارة الداخلية تصدر دليلًا إرشاديًا للمحافظة على أمن وسلامة المعتمرين خلال شهر رمضان المبارك 1447ه    نيوم يتغلّب على الخليج بهدف في دوري روشن للمحترفين    التراث العمراني السعودي.. ذاكرة حية تعكس هوية وتاريخ المملكة    وزارات خارجية المملكة ودول عربية وإسلامية ومجلس التعاون والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تعرب عن إدانتها بشدة وقلقها البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل    استحضار ذكرى اليوم المجيد    بلدية محافظة أبانات جهود في تحسين المشهد الحضري والارتقاء بخدمة المستفيد وتعزيز المشاركة المجتمعية    فهد العجلان: «يوم التأسيس» يعكس قوة العقد التنموي وجودة الحياة    النصر يعود للصدارة.. والهلال يتعثر أمام الاتحاد المنقوص    التعادل يحسم مواجهة الهلال والاتحاد في دوري روشن للمحترفين    ولي العهد يزور مسجد قباء في المدينة المنورة    الفتح يتأهب لمواجهة الأخدود    الطرق التجارية التاريخية أعادت للجزيرة العربية مكانتها الاقتصادية العالمية    السعودية سابعة العالم في الميزانيات العسكرية    يوم يخلد التحولات الإيجابية للوطن    الوحدة الوطنية الكبيرة    المملكة من التأسيس إلى الدور الدولي المعاصر    يوم التأسيس: رسالة فخر متجددة للمواطنين والمقيمين    محافظة رياض الخبراء.. أصالة الريف وحيوية النمو والحضارة في مدينة تعلّم عالمية    معالم ومناطق ترتبط بمراحل تأسيس الدرعية الأولى بالشرقية وغصيبة والمليبيد وعلاقتهما بمراحل التأسيس    الاتفاق النووي السعودي الأمريكي على طاولة الكونجرس    أمين عام مجلس التعاون يرفض ويستنكر تصريحات سفير أميركا لدى إسرائيل    فترة الوحي في حادثة الإفك    "ليلة الأوقاف" ضمن حملة "الجود منا وفينا" تُسهم في توفير وحدات سكنية    "الإنسانيات الطبية".. حين يلتقي الطب بالأدب    إطلاق أول مركز متكامل لإنقاذ القدم السكرية في المنطقة الغربية بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالمحمدية في جدة    من الكتاتيب لأجيال متسلحة بالعلم والمعرفة    32 فريقا بمونديال صامطة    مراقبة ذكية لمواقف المسجد النبوي    113 مخالفا كل ساعة    «سلمان للإغاثة» يوزّع (200) سلة غذائية في مدينة كامنيتسا بكوسوفو    دام عزك يا وطن    تكريم جمعية أصدقاء البيئة بالأسبوع العربي للتنمية بجامعة الدول العربية    يوميات من عرعر في يوم التأسيس    ملاحم نسائية لم تكتب بالسيوف.. من ضوء البيوت خرجت الدولة    فن إدارة الشركات الحكومية: تطوير القابضة أنموذجا    هل يدرك العرب أن السعودية تمثل خط الدفاع الأكثر أهمية    جمعية الكشافة تنفذ معسكر الخدمة العامة بالمدينة المنورة بمشاركة أكثر من 350 كشافاً    وصول الطائرة الإغاثية السعودية ال81 لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة    سمو أمير منطقة القصيم: يوم التأسيس محطة تاريخية نستحضر فيها أمجاد الوطن وجذور وحدته الراسخة    رياح نشطة مثيرة للأتربة على معظم مناطق المملكة    الصيام آمن لمرضى الروماتويد مع الالتزام بالعلاج    الصحة تؤكد سلامة أدوية الستاتين    اختتام مشروع "بصيرة" لعمليات المياه البيضاء بدعم مؤسسة فهد بن عبدالله العويضيه الخيرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صياغة مشروع الوحدة السياسية للدولة السعودية

يُعد يوم التأسيس للمملكة العربية السعودية مناسبة وطنية ذات عمق تاريخي كبير، أُقِرَّ بموجب الأمر الملكي الصادر عن خادم الحرمين الشرفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، استنادًا إلى النظام الأساسي للحكم، واعتزازًا بالجذور الراسخة لهذه الدولة المباركة، وارتباط مواطنيها الوثيق بقادتهم منذ عهد الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون، ويُحيي هذا اليوم ذكرى بداية تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1139ه/1727م، عندما تولَّى الإمام محمد بن سعود الحكم واتخذ من الدرعية عاصمةً للدولة، وجعل القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دستورًا لها، مما أسهم في ترسيخ الوحدة والأمن والاستقرار في الجزيرة العربية بعد فترات طويلة من التشتت والفرقة.
ويؤكد يوم التأسيس أنَّ المملكة العربية السعودية لم تكن حدثًا مفاجئًا أو عابرًا، بل ثمرة مسيرة تاريخية ممتدة، صمدت خلالها الدولة أمام محاولات القضاء عليها، وتتابعت مراحل بنائها حتى وصلت إلى حاضرها المزدهر، وانطلاقًا من هذا المعنى التاريخي العميق، وقد صدر الأمر الملكي بأن يكون يوم 22 فبراير من كل عام يومًا لذكرى تأسيس الدولة السعودية باسم (يوم التأسيس) وأن يُعتمد إجازة رسمية في جميع أنحاء المملكة، تأكيدًا على أهمية الحدث الوطني.
تأسيس الدرعية وبدايات الاستقرار السياسي
يعود تاريخ الدرعية إلى عام 850ه/1446م، حين أسَّسها الأمير مانع بن ربيعة المريدي، الجد الأعلى للأسرة السعودية في وادي حنيفة، وقد جاء هذا التأسيس في إطار حركة استقرار سكاني هدفت إلى إيجاد موطن دائم يوفر الأمن والاستقرار، بعيدًا عن الترحال وعدم الاستقرار الذي كان سائدًا في كثير من مناطق الجزيرة العربية، وتميز الدرعية بخصوبة أرضه، وتوفر المياه، وموقعه المتوسط في نجد، مما ساعد على نموها تدريجيًا لتصبح مركزًا حضريًا مهمًا.
ومع مرور الزمن، تحولت الدرعية إلى كيان سياسي محلي يتمتع بدرجة من الاستقرار مقارنة بغيرها من مناطق نجد، وأسهم هذا الاستقرار في ترسيخ نفوذ أسرة آل سعود داخلها، ولم يكن هذا التحول وليد المصادفة، بل ثمرة قيادة واعية، وتنظيم اجتماعي متماسك، وقدرة على إدارة ما توفر من مقومات، وبناء علاقات قائمة على التفاهم والتوازن مع القبائل المحيطة، أسهمت جميعها في ترسيخ نفوذ أسرة آل سعود وتعميق جذوره في الأرض والمجتمع.
الأوضاع في نجد قبل يوم التأسيس
شهدت نجد في النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي حالة من التراجع الديني، حيث انتشرت البدع والخرافات بين السكان من الحاضرة والبادية، وأصبحت معرفة الناس بقواعد العقيدة الإسلامية الصحيحة قليلة، وقد صاحب هذا الانحراف الديني انتشار الظلم والجهالة، وتراجع القيم الأخلاقية وضعف الالتزام بمبادئ العدل، مما أدى إلى تفكك المجتمع وغياب الأمن، وانتشار الفوضى في كثير من المناطق، وافتقاد الناس الطمأنينة في حياتهم اليومية، وكثرة الخصومات والنزاعات، وضعف الروابط الاجتماعية، حيث أصبحت المناطق فيها حالة من الفرقة والشتات.
كانت نجد في تلك الفترة مقسمة إلى عدد من الإمارات الصغيرة المستقلة، حيث كانت كل بلدة تُدار من قِبل أمير يتولى شؤونها وحمايتها من دون وجود سلطة مركزية موحدة، ولم تكن هناك رابطة سياسية تجمع هذه الإمارات، بل سادت العلاقات بينها حالة من الفتور والجفاء، وغلبت عليها الصراعات والحروب.
ومن أشهر الأسر النجدية الحاكمة في ذلك الوقت: آل معمر في العيينة، ودهام بن دواس في الرياض، وآل زامل في الخرج، وآل سعود في الدرعية، وأسهم هذا التفكك السياسي في إضعاف المنطقة، وأتاح انتشار الفوضى، وأعاق القيام بأي مشروع موحَّد قادر على فرض الاستقرار وبناء دولة ذات كيان قوي.
التأسيس أصبح المرجعية التاريخية للدولة السعودية المعاصرة
التنظيم الإداري والاقتصادي رسخ مفهوم الدولة الحديثة
نشأة الإمام محمد بن سعود وتكوينه القيادي
وُلد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1090ه/1679م، ونشأ في بيئة سياسية واجتماعية جعلته قريبًا من شؤون الحكم منذ صغره، فقد كان معاصرًا لفترة حكم جده الأمير محمد بن مقرن وعمل إلى جانب والده الأمير سعود بن محمد بن مقرن، وشارك في إدارة شؤون الدرعية، مما أكسبه معرفة دقيقة بأوضاعها الداخلية، وتحدياتها الأمنية، وعلاقاتها مع المناطق المجاورة، وأسهم هذا الاحتكاك المبكر بالواقع السياسي في تكوين شخصيته القيادية، وإعداده لتحمل مسؤوليات الحكم لاحقًا، كما شارك الإمام محمد في الدفاع عن الدرعية عندما تعرضت لحملات معادية، الأمر الذي منحه خبرة علمية في الشؤون العسكرية، وعزز إدراكه لأهمية القوة والتنظيم في حماية الكيان السياسي، حيث شكَّلت هذه التجارب مخزونًا مهمًا ساعده لاحقًا في اتخاذ قرارات حاسمة، ومواجهة التحديات بثبات وحكمة.
توليه الحكم وبداية مرحلة جديدة
تولى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- حكم الدرعية عام 1139ه/1727م في مرحلة اتسمت بالصعوبة وكثرة التحديات، وجاء ذلك عقب عودته إلى الدرعية بعد حملة العيينة، التي انتهت بمقتل أمير الدرعية زيد بن مرخان، حيث بويع الإمام محمد بن سعود إمامًا على الدرعية، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخها.
وقد امتد حكم الإمام محمد قرابة أربعين عامًا حتى عام 1179ه/1765م، استطاع من خلالها أن يتجاوز الظروف المضطربة التي عانت منها الدرعية، وأن يوحدها تحت سلطة مركزية، معتمدًا على الحكمة وحسن التدبير، وبناء التحالفات وتجنب الصراعات، وقد شكَّل تولي الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم بداية تحول جوهري في تاريخ نجد، إذ انتقل بالدرعية من مجرد إمارة محلية محدودة النفوذ إلى مشروع سياسي واضح المعالم، تمثَّل في تأسيس الدولة السعودية الأولى.
انطلاق الدولة في توحيد المناطق:
انطلقت الدولة في توحيد المناطق المحيطة بالدرعية تحت راية واحدة، ليبدأ تأسيس الدولة السعودية الأولى، التي أصبحت أوَّل كيان عربي موحد في شبه الجزيرة العربية بعد قرون من التفرق، وتمكنت من بسط نفوذها على مساحات واسعة من الجزيرة العربية، ونجحت في صد محاولات القضاء عليها، مما عزَّز قوتها واستقرارها.
يعكس أسلوب الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- في القيادة، حرصه على تحقيق الاستقرار وتوحيد الصفوف، وهو ما أشار إليه المؤرخ حسن الريكي بقوله: «كان محمد بن سعود لا يرضى الحرب مع أحد ولو عيل عليه ودائمًا يأمر جماعته بإطفاء الفتن» وهو وصف يبرز نهجه القائم على تغليب الأمن والسلم الداخلي، وتجنُّب النزاعات التي تستنزف الجهود وتزيد من حالة الاضطراب، وخلال عهد امتد نفوذ الدولة السعودية الأولى جنوبًا وشمالًا وغربًا، لتتكون نواة دولة مركزية قوية أسهمت في نشر الأمن والاستقرار في منطقة عانت طويلًا من غياب السلطة المركزية.
الدرعية عاصمة للدولة السعودية الأولى
اتَّخذ الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- من الدرعية عاصمة للدولة السعودية الأولى، لما تمتعت به من موقع استراتيجي، واستقرار سياسي وتماسك اجتماعي، وكانت هذه الخطوة من أوائل قراراته الناجحة حيث وحد شطري الدرعية تحت قيادة واحدة، واضعًا بذلك الأسس الأولى لدولة منظمة جعلت من الوحدة والأمن ركيزتين أساسيتين لحكمه، حيث تحولت الدرعية في عهده من إمارة محلية إلى مركز سياسي وديني وعسكري، ومقر لصنع القرار، ومنطلق لإدارة شؤون الدولة.
وأسهم اتخاذ الدرعية عاصمة في تعزيز مكانتها بين مدن نجد، فأصبحت مركزًا للحكم، وموطنًا للعلماء، ووجهة للتجار، ومحطة مهمة للقوافل، مما أدَّى إلى ازدهار عمراني واقتصادي ملحوظ، جعل الدرعية واحدة من أكبر المدن نجد وأكثرها قوةً وتأثيرًا.
مسار القيادة والإصلاحات:
وضع الأسس الإدارية للحكم:
حرص الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- على تنظيم شؤون الحكم في دولته الجديدة، فأولى اهتمامًا كبيرًا بالتفكير والتخطيط الإداري، ووضع مبادئ وأسس واضحة أسهمت في ضبط شؤون الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي، وقد اعتمد على توزيع المسؤوليات، وتنظيم العلاقة بين الحاكم وأهل الدرعية، وإدارة الموارد بما يخدم المصلحة العامة، كما اهتم بترسيخ مفهوم الحكم القائم على العدل، واحترام الشريعة الإسلامية، وضمان الحقوق، مما عزز ثقة السكان بالحكم وأسهم في تماسك المجتمع واستقراره، وظهور ذلك من بروز المناصب الإدارية، مثل القاضي والمفتي، التي شكلت نواة لنظام حكم أستمر أثره في المراحل اللاحقة من تاريخ الدولة السعودية.
التنظيم الاقتصادي وازدهار الدرعية:
إلى جانب التنظيم الإداري، أولى الإمام محمد بن سعود اهتمامًا كبيرًا بالجانب الاقتصادي، إدراكًا منه لأهمية الاستقرار الاقتصادي في ترسيخ أركان الدولة، فقد عمل على تنظيم الأسواق، وتشجيع النشاط التجاري، وتحسين إدارة الموارد، بما أسهم في ازدهار الحياة الاقتصادية في الدرعية، وحرص على تأمين طرق التجارة وعقد اتفاقيات مع القبائل لضمان سلامة القوافل التجارية، مما جعل الدرعية محطة رئيسية للقوافل ومركزًا اقتصاديًا نشطًا.
كما تبلور النظام الاقتصادي للدولة من خلال إنشاء ميزانية للإمارة تتضمن الإيرادات والمصروفات والديون، مع التركيز على توفير الموارد المالية عن طريق تشجيع التبادل التجاري بين الدرعية والمناطق الأخرى وتسهيل كافة الإجراءات المتعلقة به، إضافة إلى دعم الموارد المالية عبر استثمار جزء من المحاصيل الزراعية وفق نظام الزكاة السائد آنذاك، وأسهم هذا الاهتمام بالجانب الاقتصادي في تحسين مستوى المعيشة، وزيادة الموارد، وتعزيز قوة الدولة.
تعزيز الأمن والقوة العسكرية
يُعد تعزيز الأمن من أبرز إنجازات الإمام محمد بن سعود، إذ عَلِم أنَّ الأمن هو الأساس الذي تُبنى عليه الدولة، فعمل على بسط الأمن في الدولة، ووضع حد للفوضى، وسعى إلى إطفاء الفتن وتجنب الصراعات الداخلية، كما أولى اهتمامًا خاصًا بتأمين طرق الحج والقوافل التجارية لما فيه من أهمية دينية واقتصادية، الأمر الذي أسهم في استعادة الطمأنينة في حياة الناس، وتعزيز مكانة الدولة السعودية الأولى بين الكيانات السياسية في الجزيرة العربية، إضافة إلى كونه وسيلة لحماية الدولة وتمكينها.
ومن أجل تأمين الدولة، أولى الإمام اهتمامًا كبيرًا بالشؤون العسكرية، فأسَّس جيشًا منظمًا وأشرف بنفسه على تدريبه، ووضع أول خططه الحربية وفق نظام صارم، وزاد من عدد الإبل لتكون قواته على أهبة الاستعداد للحروب عند الحاجة، كما اعتمد الإمام سياسة التحالفات لتأمين دولته، فعقد العديد من الاتفاقيات مع القبائل والمناطق المجاورة، مما زاد قوة الدولة ونفوذها، وساعده على توحيد العديد من المناطق تحت حكمه دون اللجوء الدائم إلى القوة العسكرية.
النهضة العلمية والدينية في الدولة
لم يكن مشروع الإمام محمد بن سعود سياسيًا وعسكريًا فحسب، بل كان مشروعًا إصلاحيًا شاملًا، شمل نشر التعليم، ودعم العلماء، وتعزيز القيم الدينية الصحيحة، فقد حرص على تشجيع العلم وأهله، مما أسهم في ازدهار الحياة العلمية في الدولة، ومن أبرز العلماء في عهده القاضي عبدالله بن عيسى وابنه الشيخ عبدالوهاب، وكذلك الشيخ عيسى بن قاسم، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن سويلم، وقد أدَّى وجود هؤلاء العلماء وغيرهم إلى حركة علمية نشطة في الدولة وعاصمتها، حتى أصبحت الدرعية من أهم المراكز العلمية في المنطقة، متفوقة على البلدان المجاورة في الجانب العلمي.
كما أسهم الإمام اهتمامًا في تعزيز مكانة الدولة السعودية الأولى دينيًا، وترسيخ دورها في خدمة الإسلام والمسلمين، وتوفير الظروف المناسبة لأداء الشعائر الدينية، ورفع مستوى الوعي الديني وتصحيح المفاهيم المغلوطة.
وفاة الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- وإرثه التاريخي
توفي الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- عام 1179ه/1765م، بعد مسيرة حافلة امتدت قرابة أربعين عامًا من الحكم، استطاع خلالها أن يضع الأسس الأولى لدولة قوية في قلب شبه الجزيرة العربية ولم تكن إنجازاته محصورة في حدود زمنه، بل امتد أثرها إلى ما بعد وفاته، حيث ترك كيانًا سياسيًا موحدًا قويًا واضحًا المعالم، ودولة قائمة على الأمن والعدل.
وقد تمثل إرث الإمام محمد بن سعود في عدة محاور رئيسية، من أبرزها: تأسيس الدولة السعودية الأولى، وتوحيد العديد من مناطق نجد تحت حكم مركزي وجعل الدرعية عاصمة سياسية واقتصادية مزدهرة، وترسيخ مفهوم الحكم القائم على الاستقرار، وقد أسهم هذا الإرث في استمرار الدولة السعودية عبر مراحلها التاريخية المختلفة رغم ما واجهته من تحديات.
الدولة السعودية الأولى أساس الدولة الحديثة
لم يكن قيام الدولة السعودية الأولى حدثًا منعزلًا عن الحاضر، بل كان اللبنة الأولى لمشروع الدولة السعودية الذي استمر عبر قرون، فقد ورث من جاء من بعد الإمام محمد بن سعود الأسس التي وضعها سواء في الإدارة أو الأمن أو العلاقة بين القيادة والمجتمع، واستمرت هذه المبادئ حتى قيام الدولة السعودية الحديثة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- الذي استلهم تجربة الدرعية وقيم التأسيس في مشروعه لتوحيد البلاد.
ومن هنا تتجلى أهمية يوم التأسيس، الذي لا يقتصر على كونه ذكرى تاريخية، بل يمثل نقطة الانطلاق الأولى لمسيرة الدولة السعودية، ويؤكد أنَّ المملكة العربية السعودية دولة ذات جذور تاريخية عميقة، قامت على التخطيط والحكمة والعمل المتدرج، وليس على الصدفة والفراغ السياسي.
الملك سلمان وولي عهده في ترسيخ الهوية والذاكرة الوطنية
يبرز الاهتمام بالتاريخ الوطني عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- من خلال عنايته بتوثيق تاريخ الدولة السعودية وإبراز رموزها، وفي مقدمتهم الإمام محمد بن سعود -رحمه الله-، ويجسِّد يوم التأسيس هذا الاهتمام بوصفه مناسبة وطنية تهدف إلى تعزيز الهوية السعودية، وربط الأجيال بتاريخ وطنهم، وترسيخ الذاكرة الوطنية، كما يسهم استحضار مرحلة التأسيس وما اتسمت به من صبر وحكمة وبناء في تعميق الشعور بالانتماء، والتأكيد على أنَّ قوة المملكة العربية السعودية واستقرارها اليوم يستندان إلى جذور تاريخية راسخة، وجهود قادة مخلصين وتضحيات، وتصوُّر واضح لبناء دولة قادرة على الاستمرار.
تشهد المملكة العربية السعودية في ظل قيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود –حفظه الله- مرحلة تحول تاريخية كبرى من خلال رؤية 2030، التي تهدف إلى مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، مع الحفاظ على القيم والثوابت الوطنية، حيث تستند هذه الرؤية إلى مبادئ التأسيس التي أرساها الإمام محمد بن سعود، حيث يتشابه جوهر المشروعين في التخطيط الواعي، وتطوير القدرات البشرية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتسخير الإمكانات لتحقيق التنمية.
وكما سعى الإمام محمد بن سعود على توحيد الصف وتعزيز أسس الدولة وتأمين طرق الحج والتجارة وتعزيز مكانة الدولة السعودية الأولى دينيًا واقتصاديًا، تعمل الرؤية اليوم على تأمين مستقبل اقتصادي مستدام وتعزيز مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا، تأكيدًا على أنَّ التاريخ عنصر فاعل في توجيه الحاضر وصناعة المستقبل، ويجسِّد يوم التأسيس هذا الامتداد التاريخي، باعتباره شاهدًا على عمق الجذور واستمرارية المشروع السعودي من الدرعية الأولى إلى الدولة الحديثة، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان آل سعود -حفظهما الله-، نحو مستقبل يليق بتاريخ المملكة العربية السعودية العريق.
رسم تخيلي للدرعية في عهد الإمام محمد بن سعود
سوق الموسم في الدرعية من أوائل أسواق نجد في عهد الدولة السعودية الأولى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.