تميّز الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – برؤية سياسية بعيدة المدى، وحنكة قيادية فذة، أسهمت في رسم ملامح السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية منذ نشأتها، ووضع أسس دورها العربي والإسلامي والدولي. وقد حرص – رحمه الله – على تعزيز مكانة الدولة سياسيًا واقتصاديًا على مختلف المستويات، رغم ما كانت تمر به المنطقة آنذاك من ظروف بالغة التعقيد، وما أحاط بها من تحديات جسيمة ومخاطر دولية، في ظل انتشار الاستعمار وهيمنة القوى الكبرى على مساحات واسعة من العالم العربي. وفي خضم تلك الأوضاع، انتهج الملك المؤسس سياسة خارجية متوازنة وواضحة المعالم، قائمة على مبادئ راسخة وثوابت أصيلة، هدفت إلى حماية مصالح الدولة السعودية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، وبناء علاقات قائمة على التعاون والاحترام المتبادل، بما يخدم استقرار المنطقة ويحقق المصالح المشتركة مع الدول الأخرى. وقد أكد – رحمه الله – مكانة المملكة؛ بوصفها قلب العالم الإسلامي ومركزه، مستندًا إلى شرف احتضان الحرمين الشريفين، ومسؤولية العناية بالمقدسات، وخدمة الإسلام والمسلمين، وهي رسالة حملتها السياسة الخارجية السعودية؛ باعتبارها أحد أبرز مرتكزاتها، وسعت من خلالها إلى تعزيز دور المملكة الروحي والإنساني على الساحة الدولية. وفي إطار حماية المصالح الوطنية، حرص الملك عبدالعزيز على انتهاج سياسة خارجية متزنة، تقوم على الحكمة، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والالتزام بالاحترام المتبادل، بما يضمن الحفاظ على سيادة المملكة، وتعزيز علاقاتها مع مختلف الدول على أسس من الثقة والتفاهم. كما حظيت القضايا العربية باهتمام بالغ في فكر الملك المؤسس، وشكّلت محورًا رئيسًا في أولويات السياسة الخارجية للمملكة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي كانت – ولا تزال- تمثل قضية مركزية وثابتة في الموقف السعودي. وقد جسّد الملك عبدالعزيز هذا الالتزام من خلال مواقفه الواضحة والداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وهو النهج الذي واصل السير عليه أبناؤه من بعده. وفي سياق دعم العمل العربي المشترك، أيّد الملك عبدالعزيز تأسيس جامعة الدول العربية، إيمانًا منه بأهمية توحيد الصف العربي، وتعزيز التعاون بين الدول العربية؛ لمواجهة التحديات المشتركة. كما دعم استقلال العديد من الدول العربية والإسلامية، مؤكدًا حق الشعوب في تقرير مصيرها ونيل سيادتها الوطنية. وعلى الصعيد الدولي، كانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول، التي وقّعت على ميثاق هيئة الأممالمتحدة عام 1945م، في خطوة عكست حرصها المبكر على المشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز السلم والأمن الدوليين. كما انضمت إلى عدد كبير من المنظمات والاتفاقيات الدولية، التي تهدف إلى إرساء مبادئ العدل والاستقرار، وتعزيز التعاون بين الدول. وبفضل هذه المبادئ الراسخة، رسخت المملكة مكانة دولية مميزة، جعلتها لاعبًا فاعلًا ومؤثرًا في دعم السلم والاستقرار الإقليمي والدولي، مستندةً إلى إرث سياسي متين؛ أرساه الملك المؤسس، ولا تزال المملكة تسير عليه وتطوره؛ بما يواكب متغيرات العصر ويخدم مصالحها وقضاياها العادلة.