تمثل المملكة العربية السعودية أنموذجًا استثنائيًا للوحدة والاستقرار والبناء والازدهار في العصر الحديث؛ إذ أسسها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود – طيب الله ثراه – على دعائم راسخة قوامها التوحيد، بعد حقبة طويلة سادت فيها الفوضى الأمنية والفراغ السياسي، والتشرذم في وسط الجزيرة العربية. وقد دوّن المؤسس ببطولاته الملحمية صفحة مشرقة في التاريخ السعودي، كُتبت بحروف من ذهب، وأرست ملامح دولة حديثة قوية الجذور. ومنذ انطلاقتها كدولة فتية، تميزت المملكة بمتانة بنيانها وتلاحم أركانها وسمو أهدافها الوطنية، التي عكست عبقرية الملك المؤسس وحنكته السياسية، ورؤيته الإستراتيجية في التوحيد والبناء. وسار أبناؤه الملوك البررة من بعده على النهج ذاته؛ فواصلوا تعزيز دعائم الاستقرار ودفع مسيرة التنمية والتقدم، حتى غدت السعودية دولة رائدة، بما تحمله من رسالة عظيمة وإنجازات كبرى، وبما تتمتع به من ثقل إقليمي ومكانة دولية مرموقة. وفي ظل ظروف شديدة التعقيد، تداخلت فيها الفتن الداخلية مع التهديدات الخارجية، لم يكن توحيد ذلك المجتمع المبعثر في أرجاء الجزيرة العربية أمرًا يسيرًا، ولا كان تشييد كيان جامع بكل مكوناته مهمة سهلة؛ لولا قيادة فذة تحلت بالعزم، وبطولات جسام وتضحيات عظيمة، ونضال طويل أثمر عن قيام دولة عصرية كبرى، حملت اسم «المملكة العربية السعودية». وكان هذا الكيان الشامخ ثمرة مستحقة لتاريخ عريق، تمتد جذوره 299 عامًا منذ عام 1727م؛ تاريخ قيام الدولة السعودية الأولى. مؤسسات الدولة في السابع عشر من جمادى الأولى عام 1351ه، الموافق 23 سبتمبر 1932م، أعلن الملك عبدالعزيز – رحمه الله – توحيد المملكة العربية السعودية، بعد مسيرة حافلة بالأحداث والتحولات التاريخية امتدت ثلاثين عامًا. ومن أبرز ملامح التأسيس والبناء، ترسيخ مبدأ المشاركة المجتمعية؛ حيث سارع الناس إلى الاستعداد والمشاركة في مشروع التوحيد، إيمانًا بهدفه السامي في جمع الكلمة ونبذ الفوضى، فتجلّت وحدة وطنية فريدة بين أبناء البلاد، ما زالت المملكة تنعم بآثارها المباركة حتى يومنا هذا. وقد أولى الملك عبدالعزيز بناء الأمن أولوية قصوى في دولته الناشئة، فعمّ الأمن أرجاء المملكة من طرق ومدن وقرى وهجر، وأرسى دعائم الطمأنينة والاستقرار، إلى جانب تأسيس الأنظمة الضرورية وبناء المؤسسات الأمنية، التي حفظت أمن البلاد واستقرارها. كما امتد اهتمامه إلى الجوانب الإدارية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فأنشأ عددًا كبيرًا من المؤسسات الإدارية والتنظيمية؛ من بينها: المجالس الإدارية، ومجلس الوكلاء، ومجلس الشورى، وإدارة المقاطعات، ورئاسة القضاء والمحاكم الشرعية، ووزارة الخارجية، ووزارة المالية، ووزارة الدفاع، ووزارة المواصلات، ووزارة الصحة، ووزارة الداخلية، ومؤسسة النقد العربي السعودي، إضافة إلى العديد من الوزارات والإدارات الأخرى، التي شكلت الهيكل المؤسسي للدولة. وشملت عناية الملك المؤسس الجانب التنظيمي الشامل، لا سيما تطوير الخدمات المقدمة للحجاج، حيث أمر بتوسعة الحرمين الشريفين، وأنشأ المديرية العامة للحج، والمحاجر الصحية، وشق الطرق، وطور وسائل المواصلات المختلفة. وفي ختام مسيرته الزاخرة بالعطاء، أنشأ مجلس الوزراء ليكون تتويجًا لإنجازاته الإدارية والتنظيمية.
التوطين والتعليم ومن أعظم إنجازاته كذلك مشروع توطين البادية، من خلال تأسيس الهجر، الذي أسهم في إيجاد مناطق استقرار متعددة في مختلف أنحاء المملكة للعديد من القبائل، حيث اتجه أفرادها إلى الزراعة والتجارة وإحياء الأراضي، التي استقروا فيها، فتحولت مع مرور الزمن إلى حواضر مزدهرة. ويعد هذا المشروع من أبرز مبادرات التطور الاجتماعي في المنطقة، لما حققه من نقلة نوعية في حياة البادية، وأسهم في ازدهار العمران والنمو السكاني. واستفاد الملك عبدالعزيز من وسائل التقدم الحديثة، فحرص على استقدامها إلى المملكة، وتوظيفها في خدمة النهضة الحضارية التي أرسى أسسها، مستندًا إلى سياسة حكيمة، جمعت بين الأخذ بأسباب التطور ومراعاة المبادئ الإسلامية والتقاليد الاجتماعية، التي قامت عليها الدولة السعودية. وقد أسفرت هذه السياسة عن تطور شامل شمل مختلف مجالات الحياة، مع الحفاظ على الثوابت الدينية والاجتماعية، ليحقق بذلك معادلة متوازنة وفريدة بين الأصالة والمعاصرة. كما أولى التعليم ونشر المعرفة عناية خاصة، فشجع طلاب العلم، وأنشأ المدارس، ووضع الأنظمة المنظمة لها، واهتم بنشر المؤلفات وتوزيعها. وانطلاقًا من شغفه الشخصي بالعلم والمعرفة، دعم تطوير التعليم ومؤسساته، وأنشأ المكتبات، وأتاح الكتب لعامة الناس. وتعد مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة، المحفوظة اليوم في دارة الملك عبدالعزيز بالرياض، إلى جانب المؤلفات التي طبعت على نفقته في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، وظهور المدارس وازدهار الحركة العلمية في المنطقة، شواهد بارزة على عظيم اهتمامه بالعلم وبناء الإنسان.