من حق الكاتب في يوم التأسيس أن يتناول هذا اليوم من إحدى زواياه التي تلامسه، ومن أهمها بالنسبة لي الاعتزاز بما أرسته الدولة السعودية من الوحدة والاستقرار والأمن. وأقول «بالنسبة لي» لأني، بالمعنى الحرفي للكلمة، عاشقٌ للتنقل بين مناطق المملكة، مستثمرًا ضرورات العمل الحكومي، فمن منطقة عسير قبل عقدين إلى منطقة مكةالمكرمة، مما جعلني أرتاح لصدفة الحياة التي جعلتني أتشرف بالانتقال من عسير، وكان أميرها آنذاك صاحب السمو الملكي خالد الفيصل، إلى مكةالمكرمة وقد أصبح أميرها أيضًا خالد الفيصل بن عبدالعزيز. في 2014م وتحديدًا 7 ربيع الثاني من عام 1435، كتبت مقالًا بعنوان: «مع زوجتي... من رجال المع إلى القطيف»، لم أتجاوز فيه مشاعر «المواطن السعودي» السعيد بالتعرّف على أجزاء من وطنه عبر ثنائية «الإنسان والمكان». فكان لي شرف لقاء بعض مثقفي القطيف والأحساء، مع ملمح واضح يلمسه أمثالي في مفارقات التنافس الحميد بين هاتين المحافظتين في خدمة وطنهما، تنافس يطربني في أناقته وتحضّره دون ضجيج (التعصب الأعمى أو الأحمق). لن أطيل على القارئ في هذا البوح المرتكز على يومياتي الحالية في منطقة الحدود الشمالية بمدينتها «عرعر»، مدينة تحمل في داخلها «معنى الطمأنينة» للباحثين عن «السكينة»، وهنا أعترف اعترافًا قد يلومني عليه بعض أهلي، فطيلة تنقلاتي بين المناطق «عسير، مكةالمكرمة، المنطقة الشرقية، الحدود الشمالية» أنجزتُ فيها بضعة كتب: كتابان في مدينة جده: «سياط الكهنوت» و«حجامة العقل: بين العدمية والأدلجة»، وكتابان في مدينة الخبر: «أضحية المعبد: المرأة واللغة» و«آلزهايمر تاريخ» ثم استقررت بعدها في عسير لثماني سنوات منذ عام 1438ه إلى نهاية عام 1446ه، ولم أستطع تأليف كتاب واحد، سوى ما جاد به علي فايع الألمعي في كتابه «آفة الحرس القديم». وصلت منطقة الحدود الشمالية عن طريق البر منطلقاً من أبها إلى (القنفذة – جده – المدينةالمنورة – حائل – عرعر) خلال الصيف الماضي، وكانت رحلتي البرية تنطلق من الساعة الرابعة فجرًا، ثم أتوقف في الساعة التاسعة صباحًا، ولا نكمل مسيرنا إلا في اليوم الثاني، كنا نسير على أقل من مهلنا خلال أربعة أيام وصلنا بعدها إلى «سكاكا ثم عرعر»، ورفيقتي زوجتي نجرجر في أحاديثنا «أمعاء الماضي» باحثين عن «قلب الحاضر» وصولًا إلى «مخ المستقبل»، وكل ذلك عبر «فلسفة السجَّة» التي نخلطها أحيانًا بموسيقى مونامور، أو حتى شيلة بدوية لبندر بن سرور وهو يقول: «البر دجته والبحر رحت يمه، أدرج سبب حظٍ على الله مساعيه...». بدأت الدوام في الساعة السابعة والنصف تقريبًا بعد أن أوصلت زوجتي إلى عملها، وقد كان مستوى القبول الاجتماعي لها في منطقة الحدود الشمالية وهي «كاشفة الوجه» قبولًا معقولًا لا علاقة له بحماقات الناس في «البذاءة» زمن مقالي الذي أشرت له عام 1435ه، وبالنسبة لي فقد أطربني معنى الدولة الحديثة عبر سيمياء الشوارع، وأنا أرى في هذه المدينة سيارة الأمانة وهي تكنس آليًا الطرقات مع الصباح الباكر. سعيد بهذه المدينة التي ما أن تجاوزت فيها شهور الصيف وبدأ خريفها حتى (فتح الله عليّ) بكتاب أظنه سيرى النور قريباً، وسبحان من أشقاني على قول بعض أهلي، فمنزلي ضمن (مجمع فلل إخوتي: ماجد وعبدالغني وعبدالمتعال) ومكتبي وسط مكتبتي بمنزلي في أبها مع جمال الطبيعة... كل هذا ولم تنشط نفسي للتأليف، وهنا في الشمال انعتقت الروح كما تقول لي أمي: أنت ولدت في تبوك ونشأت بها إلى سن السابعة، فربما شمال بلادنا يناسبك أكثر من جنوبها. وكم مزق روحي هذا الشعور المتناقض بشدة في داخلي، فأرى صور الضباب على جبال أبها، فأشتاق، ثم أرى اتساع الأفق أمامي وأنا أنتقل متنزهاً ما بين عرعر الشمال وسكاكاالجوف إلى بحيرة دومة الجندل، فينحسر شوقي وتفز روحي بدعوات صادقة بالرحمة والغفران لهذا الموحد العظيم عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وبارك الله في دولته عزًا وتمكينًا، وزاد رموزها السياسية نفوذًا يليق بسموهم، مما ينعكس على شعبهم عزة وكرامة... اللهم آمين.