رمضان روحانية بلا خطابة.. ليس رمضان موسم كلام ولا معرض مواعظ ولا ساحة يتبارى فيها الوعاظ بعدد الجمل الثقيلة، رمضان في حقيقته الأولى صمت يعلم القلب كيف يتكلم، يأتي الشهر كضيف خفيف الخطى لا يطرق الأبواب بالضجيج بل يدخل من شقوق الأرواح المتعبة ليعيد ترتيبها على مهل في زمن ازدحمت فيه الأصوات. صار البعض يظن أن الإيمان يقاس بارتفاع النبرة، وأن القرب من الله يثبت بالإعلان عنه، لكن الله لا يعرف بالميكروفون، بل بالخلوة، ولا يرى في المنصات، بل في العيون التي تخفض حياء والقلوب التي تلين خوفًا وحبًا، رمضان روحانية بلا تنظير، أن يجوع الجسد ليشبع الضمير، وأن تصمت الشهوة ليعلو المعنى، وأن يربكك السؤال عن نفسك قبل أن تربك غيرك بأسئلتك، هو شهر لا يطلب منك أن تتحدث عن الخير، بل أن تصير خيرًا لا يريدك خطيبًا، بل إنسانًا أقل قسوة وأكثر غفرانًا وأصدق اعتذارًا، فيه تتخفف الأرواح من أثقالها، وتتعلم القلوب المشي حافية نحو الله، وتتعلم أن أعظم الدعاء ما لم يسمع، وأصدق الصدقة ما لم تر، وأعمق العبادة ما لم تصور. رمضان لا يحب الواجهات، يحب الداخل ولا يسكن الشعارات، بل يسكن السلوك ولا يزدهر في الخطب بل في التفاصيل الصغيرة في يد تمتد بصمت وفي خصومة تطفأ، وفي ذنب يترك حياء لا خوفًا، هو شهر يعيد تعريف الإنسان لنفسه، لا كما يراه الناس، بل كما يراه الله فطوبى لمن دخل رمضان خفيف الكلام ثقيل المعنى قليل الادعاء كثير التوبة، وطوبى لمن جعل بينه وبين الله سرًا لا ينشر، وعبادة لا تشرح وقلبًا يصلح دون أن يصفق له أحد ذلك.. هو رمضان روحانية بلا تنظير وإيمان، بلا استعراض وطريق إلى الله يمشيه القلب وحده.