رمضان مرآة؛ من نظر فيها بجرأة خرج منها أنقى، ومن استثمر أيامه بوعي تحوّل الشهر في داخله إلى بداية لا نهاية؛ بداية علاقة أصدق مع الله، وأهدأ مع الناس، وأصفى مع النفس.. هكذا رمضان؛ من وعاه صار له في العام كله رمضان صغير يسكن قلبه، يذكّره أن الخير ممكن، وأن التغيير قرار، وأن الطمأنينة ليست حلمًا بعيدًا.. بل ثمرة طاعة صادقة في موسم مبارك.. يأتي رمضان لا كضيفٍ عابر، بل كنافذةٍ خير تُفتح على وجه الاطمئنان، فينهمر منها الضوءٌ ليغسل تعب العام كله. ليس شهرًا في التقويم فحسب، بل موسم إيماني تتغير فيه نبرة الزمن؛ يصبح للصمت معنى، وللجوع رسالة، وللانتظار طعمٌ مختلف. في رمضان يتطهّر الوقت، وتلين القلوب، وتستيقظ في الإنسان المسلم مساحاتٌ ربما ظنّ أنها ماتت. هو شهر العبادة التي لا تؤدى عادةً، بل تُعاش. الصيام ليس امتناعًا عن الطعام بقدر ما هو تدريب على الامتناع عن كل ما يهبط بالروح. والقيام ليس حركاتٍ ليلية، بل ارتقاءٌ بطيء نحو سكينةٍ عميقة. وتلاوة القرآن ليست ترديد حروف، بل استعادة بوصلة. لذلك كانت الطاعة في رمضان جميلة؛ لأنها طاعةٌ واعية، تشعر بها النفس قبل أن يراها الناس. رمضان موسم.. لكنه ليس موسم استهلاك، بل موسم استثمار. تجارةٌ من نوعٍ آخر؛ رأس مالها الوقت، وسوقها القلب، وربحها الطمأنينة. من أحسن إدارة أيامه فيه، خرج منه بربحٍ لا يقاس بالأرقام: صفاء ضمير، قوة إرادة، ضبط نفس، وعادة خيرٍ تستمر بعد انقضائه. في هذا الموسم يمكن أن نجني: عادة الانضباط؛ حين نضبط أوقاتنا وعاداتنا بين فجرٍ ومغرب. عادة السخاء؛ حين نتعلم أن ما في أيدينا ليس لنا وحدنا. عادة المراجعة؛ حين نقف مع أنفسنا وقفة صادقة لا يجبرنا عليها أحد. عادة القرب؛ من الله، ومن أهلنا، ومن ذواتنا التي طال غيابنا عنها. فالربح الحقيقي ليس في أن نصوم شهرًا، بل في أن يتغير شيءٌ فينا بسبب هذا الشهر. غير أن رمضان اليوم يمرّ في عالمٍ مزدحم. كثافة عروض، واستنفارات تسويقية، وحزمٌ من المواد الترفيهية تتدفق بلا انقطاع، كأن الشهر صار ساحة سباق على جذب الانتباه لا على جمع الحسنات. تتزيّن الشاشات، وتتنافس الإعلانات، وتستيقظ الرغبات.. وهنا تكمن المفارقة شهر التقليل يتحوّل عند بعضنا إلى شهر إفراط؛ إفراط في الطعام، في السهر، في المشاهدة، في الاستهلاك. كأن المغريات تريد أن تقول للروح: لا وقت للتأمل، استمتعي فحسب. لكن الوعي هو الفارق. ليس المطلوب أن نعيش في عزلةٍ عن العالم، بل أن نختار بإدراك ما يدخل إلى قلوبنا. أن نسأل أنفسنا: هل هذا يُعينني على أن أكون أفضل؟ هل هذا يقوّي إرادتي أم يضعفها؟ هل يملأني يقينًا أم يشككني أكثر؟ الانتصار في رمضان ليس أن نهزم الجوع فقط، بل أن نهزم التشتت والرغبات الفارطة. رمضان الحقيقي لا يمرّ بلا أسئلة صادقة، مؤلمة أحيانًا، لكنها ضرورية: هل تغيّرتُ فعلًا أم اكتفيتُ بمظاهر التغيّر؟ ماذا عن سلوكي في الغضب؟ في الخلاف؟ في الخصومة؟ هل تحسّنت أخلاقي أم بقيت كما هي؟ ماذا عن تفكيري وقناعاتي؟ هل أصبحت أعمق وأعدل؟ هل تجارتي أكثر نزاهة، وهل كانت مع الله أكثر أو البشر؟ هل عملي أكثر إتقانًا؟ هل علمي ازداد نفعًا؟ هل دراستي صارت أصدق هدفًا؟ هنا رمضان يصبح امتحانا في صدق التحوّل.. إن لم يتحرك شيء في الداخل، فالصوم ظلّ شكلاً بلا روح. لعل الله عز وجل يمنحنا بفضله ومنته في رمضان الوعي بالحال؛ وأن نرى أنفسنا كما هي، بلا تبرير، بلا أقنعة.. أن تعترف بنقصك دون أن تيأس، وأن تعترف بقدرتك على التغيير دون أن تتكبر.. هو شهر يعيد ترتيب الأولويات؛ يذكّرنا أن الإنسان ليس آلة إنتاج ولا مستهلكًا دائمًا، بل روح تبحث عن معناها. في نهاية الشهر، ليس السؤال فقط كم ختمة قرأت؟ بل: من أنت بعده؟ وأي إنسانٍ أصبحت؟ أو كم أمسكت عن الطعام؟ بل: كم أمسكت عن الأذى؟ ليس السؤال: كم ساعةً قضيت أمام الشاشات؟ بل: كم لحظةً قضيتها أمام نفسك بصدق؟ رمضان موسم خير.. وهو أيضًا مرآة؛ من نظر فيها بجرأة، خرج منها أنقى، ومن استثمر أيامه بوعي، تحوّل الشهر في داخله إلى بداية لا نهاية؛ بداية علاقة أصدق مع الله، وأهدأ مع الناس، وأصفى مع النفس. وهكذا يمضي رمضان، ويبقى أثره.. فمن وعاه، صار له في العام كله رمضان صغير يسكن قلبه، يذكّره أن الخير ممكن، وأن التغيير قرار، وأن الطمأنينة ليست حلمًا بعيدًا.. بل ثمرة طاعةٍ صادقة في موسمٍ مبارك.. وكل عام وأنتم بخير.