شملني الناشر المعروف رئيس تحرير المجلة العربية محمد بن عبدالله السيف ، مثلما شمل غيري بسخائه، إذ تكرم عليّ بعدد من إصدارات المجلة العربية، وإصدارات المجلة لا تجد فيها إلا سمينًا، وكان من ضمن تلك السمان كتاب «عاصم حمدان.. ذكريات من الصفة»، من إعداد عبدالعزيز يوسف المزيني. والكتاب جمع لمقالات الدكتور عاصم حمدان في المجلة العربية، بالإضافة إلى ثلاثة مقالات نُشرت عنه أيضًا في المجلة العربية، والحقيقة أن قراءة الكتاب قد غيرت من نظرتي لعاصم حمدان، رحمه الله، فقد استقر في ذهني سابقًا أنه باحث جاد، لكنه ليس كاتبًا جيدًا، وذلك عندما كنت أقرأ له مقالات متفرقة في الصحف السعودية، وفي شؤون ليست من اهتماماتي، أما وقد قرأت له ما قرأت في هذا الكتاب، فإني أقرر أنه أديب أريب، كما يقول الأولون. أكثر ما شدني في مقالات عاصم حمدان الغامدي هو حديثه عن لواعج نفسه، ومعاناته المتعددة في طفولته من شظف عيش وعلل صحية، ذاكرًا تنمر بعض زملاء دراسته، وصرامة والده، وهي صرامة لم يصرح بمداها، وإن كان ألمح لها، خاصة بإيراده العبارة التي قالتها أمه عندما أخبرها برحيل والده، رحمهم الله جميعًا. وربما يكون مرد عدم تكويني نظرة صائبة عنه، رحمه الله، هو تطبعه بطبع أهل المدينةالمنورة، حرسها الله، الذي أبرز مظاهره سماحة الطبع، وكراهية التصدر والرياسة، بل إنه يصرح أنه لأول مرة يكتب مقالاته بضمير المتكلم قائلًا: «وأعترف أنني للمرة الأولى أكتب دون الإحالة على الغائب»، وأنه ينبغي على من «يسعى لتدوين شيء من سيرته أن ينأى ما استطاع عن هذا الأسلوب المرفوض»، ومراده من ذلك أن يبتعد الكاتب عن أسلوب الأنا، لأن «القارئ ينفر من الحديث عند استخدام الكاتب لأسلوب الأنا فيما يدون». ولست أحقّ عاصم حمدان، رحمه الله، فيما ذهب إليه هنا، وأراه إنما يعبر عن ذائقته الشخصية، ونتيجة لتهذيبه المديني الذي يراعي كل فعل ممكن أن يُفهم منه إنه تكبر أو تصدر، خاصة أن المقالات التي هي مادة الكتاب بها كثير من الرصد الأنثروبولوجي والتاريخي للمدينة المنورة ورجالاتها، وهذه مواضع لا يستقيم أن يشعر من يقرأها بتعالي الكاتب، فهي معلومات ومشاهدات. أحسنت المجلة العربية، وأحسن رئيس تحريرها، بالإلحاح على عاصم حمدان ليروي ذكرياته، ثم في إصدار مقالاته تلك في كتاب غدا أشبه ما يكون بسيرة ذاتية محلاة بتراجم لأعلام في المدينةالمنورة ومكة المكرمة، ولمواضع تاريخية في المدينة، رحم الله الدكتور عاصم حمدان الغامدي، الرجل النبيل الذي خلف بصمة في محيطه ومجتمعه.