إصلاح ديني وأمني واقتصادي شامل يعزز التماسك في الجزيرة مجلس الشورى في المدينة خطوة مؤسسية مبكرة إنهاء النفوذ العثماني وترسيخ السيادة السعودية توحيد الإمامة في المسجد النبوي إصلاح ديني نوعي تبديل الحاميات استراتيجية لضبط الأمن والاستقرار في هذه الأيام نحتفل بذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى قبل ثلاث مئة عام، ويستذكر المواطن السعودي العديد من الأحداث التي واكبت تلك الفترة، ومن أهم تلك الأحداث ضم المدينةالمنورة تحت الحكم السعودي، وما كان نجاحهم في ضم الحجاز تحت نفوذهم واتساع حدودهم الجغرافية؛ إلا لتبليغ أمانة الدعوة، ونشر الأمن في الجزيرة العربية. لحظة التحول السياسي في عام 1220ه تمكن الإمام سعود بن عبد العزيز الكبير (1161 - 1229ه / 1748 - 1814م) من ضم المدينةالمنورة في عام 1220ه / 1805م، ويمثل هذا العام نقطة تحول في تاريخ المدينة من الناحية السياسية والحضارية. موسم الحج منصة لإظهار السيادة وفي عام 1221ه / 1806م حج الإمام سعود بالناس حجته الثالثة وجعل المدينةالمنورة نقطة تجمع لبداية سيره إلى الحج، حيث شهدت وفود قبائل عسير وألمع بقيادة عبد الوهاب بن عامر، ووفود الطائف واليمن وتهامة وأهل الحجاز يقود جمعهم الشيخ عثمان المضايفي، وأهل بيشة ونواحيها بقيادة فهاد بن سالم، وأهل نجد والقصيم يتقدمهم محمد بن عبد المحسن بن علي، ووفود قبائل حرب وأهل المدينة بقيادة الشيخ مسعود بن مضيان الظاهري الحربي. وبعد أداء فريضة الحج توجه الإمام سعود إلى المدينةالمنورة وبقي بها عدة أيام أجتمع خلالها بحاكم المدينة وعدد من قضاتها وكبار أعيانها، ووضع ركيزة التحول الإداري والأمني، وهكذا تتجلى وتتعاظم مظاهر الحكم السعودي في الحجاز أثناء موسم الحج متوجه بحضور أعلى سلطة في الدولة وترؤسه وإشرافه على الحج بما يمثله ذلك من أهمية سياسية ودينية تتعدى حدود الجزيرة العربية، ومن أبرز النواحي التي أحدث بها تغيير: إعادة تشكيل الإدارة المحلية * الناحية الإدارية: عين الإمام سعود على إمارة المدينة الشيخ بداي بن مضيان الظاهري، وبعد وفاته حل محله أخيه مسعود بن مضيان، وعلى قلعة المدينة التي تقع في قلب المدينة عين عليها حسن القلعي قائدًا، وكانت القلعة مقر أتباع الدولة من الموظفين والمقاتلين وغيرهم، أما سكان المدينة من العرب وأبناء القبائل في المدينة وفيما يتبعها من القرى والأرياف والبوادي، فكانت إمارتها أعم وأشمل وهي التي ربطتها القيادة السعودية بابن مضيان لدوره الكبير في إخضاع المدينةالمنورة. إنهاء النفوذ العثماني وإعادة تنظيم القضاء كما عزل شيخ المسجد النبوي الشريف الشيخ محمد عنبر باشا، والقاضي العثماني، وكل من اشتبه في عدم ولائهم للحكم السعودي، وأعلن إنهاء وجود أية سلطة للحكم العثماني، وقام بإرسال أمير بلدة الرس فرناس بن عبد الرحمن ليقيم في المدينة معلمًا وقاضيًا. تأسيس مجلس الشورى ولحرص الإمام سعود على مشاركة أهل العلم والعلماء بالمشورة في أمور المنطقة أمر بتأسيس مجلس للشورى في المدينة؛ فجعل له مجلسًا يمثله شيخ المسجد النبوي، وقاضي المدينة، والمفتي، إلى جانب أعيان وشيوخ قبائل المدينة وما حولها. توحيد المرجعية الفقهية * الناحية الدينية: أقر الإمام سعود أحكام الفقه بدلًا من القوانين التي وضعتها الدولة العثمانية، كما أمر الناس كافة على الصلاة خلف إمام واحد، حيث اعتاد المسلمون في المسجد النبوي الشريف لقرون مضت على أداء كل صلاة خلف أربعة أئمة، ومعارضة البدع التي تُمارس بمناسبة موسم الحج فمنع المحامل التي تصطحب قواتٍ عسكرية والآلات الموسيقية المنافية للعقيدة الإسلامية، كما أمر بهدم القباب والمزارات، ومعارضة البدع التي تُمارس. مواجهة الممارسات المخالفة كما قام الإمام سعود بإجراءات ذات طابع سياسي أو ديني كان لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية على مجتمع المدينةالمنورة، وأبرز مثال على ذلك تلك المباني المقامة على الأضرحة وغيرها من الأماكن والجبال التي يزورها الناس وبخاصة الحجاج القادمون من خارج الجزيرة العربية، وقد نتج عن تلك الممارسات التي تراكمت عبر القرون ما يمكن تسميته صناعة سياحية دينية ارتبطت بها مصالح وحياة مجموعات من سكان المدينة بدءًا بنظار تلك المزارات ومرورًا بذلك العدد الكبير ممن يعمل على خدمة هذه الأماكن وتزوير الناس، وفي كل ركن من أركان هذه المباني تنتشر المناديل والسجاجيد المبسوطة، حيث يتوقع باسطوها أن يقوم الزوار بنثر بعض المال عليها، وتحف النسوة ببوابات هذه المباني، حيث يجلسن ليلتمسن الصدقة من الحجاج، وقد توقفت كل هذه الأعمال أثناء فترة الإدارة السعودية للحجاز، حيث لم يعد الزائرون يترددون على هذه الأماكن؛ فلقد حرص السعوديون على تنفيذ رؤيتهم تجاه المزارات، ليس بهد ما رأوا أنه مخالف للشرع فحسب؛ بل إنهم عملوا على منع زيارة تلك الأماكن حتى لو اقتضى الأمر بوضع حراس عليها. إخراج الحاميات العثمانية * الناحية الأمنية: عند دخول الإمام سعود إلى المدينةالمنورة أمر بخروج الحاميات العثمانية من المدينةالمنورة، وأقام حامية في قلعة المدينة بقيادة حمد بن سالم من أهل العيينية، وعند زيارته للمدينة عام 1222ه / 1807م أخرج من كان في القلعة وأقام حامية جديدة من أهل نجد تحت قيادة عبد الله بن مزروع أمير منفوحة، وفي العام التالي بعث الإمام سعود حامية جديدة بدلًا من التي أقامها في العام السابق، وفي الأعوام التالية فعل الإمام سعود نفس الشيء في تبديل حامية المدينة. تبديل الحاميات لتعزيز الانضباط فنعمت بلاد الحجاز عامة والمدينةالمنورة خاصة في تلك الفترة بالأمن والسلام، ويوثق هذا ما ذكره الجبرتي بقوله: "فعند ذلك آمنت السُبُل، وسلكت الطريق بين مكةوالمدينة، وبين مكةوجدةوالطائف، وأنحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال". فقد أسهمت الصرامة والحزم والعدل التي اتصفت بها حكومة الإمام سعود وحاميته العسكرية التي أقامها في المدينة بتحقيق الأمن لأهالي وزوار المدينة خلال فترة وجيزة، وأقيمت هيبة القانون حتى في المناطق الصحراوية، وتوقف النزاع بين أبناء القبائل، وساد الأمن ربوع الجزيرة العربية كلها، وجعل الإمام سعود الكبير كل شيخ مسؤولًا عن الجرائم التي تقع في منطقته، وكان عقابه رادعًا؛ وبهذا نجحت الدولة السعودية الأولى في إيجاد تغير سياسي داخل شبه الجزيرة العربية التي كانت تفتقده من قبل. إلغاء الضرائب وإقرار الزكاة * الناحية الاقتصادية: غير الإمام سعود الأنظمة التي فرضتها الدولة العثمانية في المدينةالمنورة فقد ألغى الضرائب، وأقر نظام الزكاة، وعهد إلى محمد الغريبي بجمع الخراج، وظلت المدينةالمنورة تحت أنظار الإمام سعود ومتابعة كافة الأجهزة الإدارية والمالية والعسكرية ومدى انضباطها في أداء مهامها، ولم يتوان إلامام في عزل وإقصاء كل من قصر في أداء عمله والقيام بمهامه؛ ولعل هذا ما دفعه لزيارة المدينةالمنورة عام 1222ه / 1807م بعد أن أتم حجته الرابعة بتغيير الحامية العسكرية السابقة، ولحق هذا التغيير الخراج والزكوات فجعل عليه محمد بن يحيى بن غيهب أمير شقراء. نظام مالي منضبط ومن أبرز الآثار الاقتصادية التي أحدثتها الدولة السعودية الأولى في حياة سكان شبه الجزيرة العربية أنها حدثت نظامًا اقتصاديًا قائمًا على أسس الشريعة الإسلامية، كان له أثر بعيد على حياة سكان المناطق التي خضعت لنفوذها، ونظمت أمور هذه المناطق الاقتصادية والمالية، وأصبح للدولة موارد دخل معلومة، وأوجه صرف معلومة، وكان هناك موظفون مسؤولون على كل أمر من أمور الدخل وأمور الصرف، فأصبح كل قادر يشارك في دخل الدولة بدفع الزكاة، وكل عاجز أو محتاج يجد السبيل إلى العيش الكريم، وفي ظل هذا النظام الاقتصادي أمن كل فرد على عيشه وعيش عائلته، وبامتداد نفوذ الدولة وانتشار الأمن بين ربوعها راجت التجارة الداخلية وازدحمت الأسواق؛ وازدهر اقتصادها، وكان التأثير بلا شك بالغ الأثر في حياة معظم سكان شبه الجزيرة العربية، كما كانت النظم الاقتصادية التي وضعتها هي نفس النظم في عهد الدولة السعودية الثانية، والثالثة مع إدخال بعض النظم الاقتصادية التي كان لابد من إدخالها نتيجة لتشابك النظم الاقتصادية العالمية وإقامة العلاقات الدولية بين المملكة العربية السعودية والدول الأخرى، خاصة بعد اكتشاف النفط وما ترتب عليه من تغيير اقتصادي في حياة المملكة العربية السعودية. المجتمع القبلي قبل الدولة السعودية * الناحية الاجتماعية: كانت العلاقات الاجتماعية السائدة في شبه الجزيرة العربية قبل قيام الدولة السعودية الأولى علاقات قبلية قائمة على التباين بين أفراد القبيلة الواحدة تبعًا لتباين أفرادها في القراء، كما كان يوجد بين فروع القبيلة الواحدة البدو الرحل والحضر المستقرون وكانت كل هذه الأمور تلعب دورها في العلاقات الاجتماعية بين افراد القبيلة، وبين كل قبيلة وأخرى، ولكل من البدو والحضر عاداتهم الاجتماعية التي تختلف باختلاف البيئات، فما يعتاده أهل البادية ويتعارفون عليه قد لا يلقى قبولًا لدى أهل الحاضرة الذين كانت لهم عاداتهم التي تناسب حياتهم المستقرة، ومع كل هذا فإن الاختلاف في هذه العادات كان يوجد بين الحضر أنفسهم أو بين البدو أنفسهم؛ نتيجة للاختلافات الموضعية والإقليمية العديدة بين مختلف الحواضر والبلدان. الفوارق الاجتماعية والعصبية أما عن الفوارق الاجتماعية فقد كانت حادة بين القبائل، وكذلك بين الحضر والبدو، وكانت عمليات المصاهرة والتزاوج بين القبائل المُختلفة تتم في حدود ضيقة ولظروف معينة، حيث أن العرف جرى على تفضيل ابن العم على غيره في الزواج من أبنة عمه، ثم من بعده من هو أقرب وهكذا؛ وهذا للمحافظة على نقاء دم القبيلة والعصيبة، وكانت العصبية أو وحدة الدم تلعب كذلك دورها في الروابط الاجتماعية التي كانت قائمة بين أفراد القبيلة، وكانت العصبية بين البدو تتميز بالإجماع في الرأي وعدم الانقسام والتنافر بين أفرادها، وفي الدولة السعودية الأولى استطاع آل سعود إقامة دعائم مجتمع واحد متماسك ومترابط اجتماعيًا، يجمع القبائل والبلدان المتفرقة تحت لواء واحد، وعندما اكتملت دعائم هذا المجتمع تخلص من كثير من الأمور التي كانت تشوب العلاقات الاجتماعية بين أفراده قبل قيام الدولة السعودية الأولى، وأصبح كل فرد يشعر أنه عضو في مجتمع أكبر له خصائصه التي تميزه، وأصبح الفرد يشعر بأن عليه التزامات للمحافظة على هذا الكيان الاجتماعي ولا بد من الوفاء بها وعدم التخلف عن أدائها، وبالمقابل تقدم الدولة له من حماية وتوفير الضمانات الاجتماعية الكافية لأمنه ولأسرته. وظلت هذه الروابط الاجتماعية قائمة حتى عصرنا الحالي، وأصبحت الآن أحد المجتمعات الحضارية الحديثة التي يسودها التكافؤ الاجتماعي.