لم تعد السيادة في القرن الحادي والعشرين تُنتزع بالبارود وحده، بل تُصان في أنابيب الاختبار ومعامل الجينات. إن توجه المملكة نحو "السيادة الحيوية" يمثل خروجاً ذكياً من عباءة "الدولة الوظيفية" التي تستهلك ما ينتجه الآخرون، إلى رحاب الدولة القطبية التي تصنع "أمنها الجسدي" بشروطها الخاصة، فمن يملك شفرة مواطنيه الوراثية ويصنع دواءهم محلياً، يملك قراراً سياسياً محصناً ضد الابتزاز، خاصة في عالم أثبتت أزماته أن "اللقاح" قد يصبح سلاحاً لا يقل ضراوة عن العقوبات الاقتصادية التي تفرض على الدول والمؤسسات. الاستثمار في "الجينوم السعودي" ليس ترفاً علمياً، بل هو استباق استراتيجي لإعادة تعريف مفهوم "القوة"، فالعلاجات التي تُصمم في مختبرات الغرب بناءً على عينات عرقية بعيدة عنا، لم تعد كافية لدولة تطمح للريادة، وبدلاً من أن تظل الأجساد العربية "حقول تجارب" لشركات الأدوية العالمية، تأتي رؤية المملكة لتجعل من "البيانات الحيوية" ثروة سيادية تفوق في قيمتها النفط، فبناء "درع جيني" محلي يعني أن الرياض أدركت مبكراً أن الأمن القومي يبدأ من الخلية، وأن التبعية الدوائية هي ثغرة في جدار السيادة لا بد من سدها بالابتكار لا بالاستيراد. هذه "الندية الحيوية" تضع العالم أمام حقيقة جديدة؛ فالمملكة التي كانت وجهة للمنتجات الطبية، تتحول الآن إلى مختبر عالمي يفرض معاييره الخاصة؛ لأن "السيادة الحيوية" هي الضمانة الأكيدة بأن جودة حياة الإنسان السعودي لن تكون رهينة لموافقة "منظمة" دولية أو توريد شركة عابرة للقارات. لتظل "الصحة الاستراتيجية" معركة وعي قبل أن تكون معركة تصنيع، وفيها تثبت الدولة أن حماية "المستقبل الصحي" هي قمة الممارسة السياسية الواعية، حيث يتحول المختبر إلى "قلعة" والمشرط إلى "سيف" يحمي كرامة الجسد والوطن على حد سواء.