عند النظر في بدايات الوحي، يتضح أن النبي لم يستقبل القرآن بوصفه فكرة نضجت في داخله، ولا باعتباره إلهامًا مألوفًا، بل استقبله على أنه أمر خارج عنه، مفاجئ له، ثقيل في وقعه. فقد جاء الوحي الأول بغتة، دون تمهيد فكري أو انتظار نفسي، وأحدث في نفس النبي من الاضطراب والرهبة ما لا ينسجم مع صورة المبدع الواثق بما يصدر عنه. فالنبي صلى الله عليه وسلم في أول العهد بالوحي لم يكن يبحث عن رسالة، ولا يُعد مشروع إصلاح ديني، بل كان يعيش حياة هادئة بعيدة عن الجدل العقدي المنظم. ولما جاءه الوحي، لجأ إلى زوجته، ثم إلى ورقة بن نوفل، يسأل ويتحقق، لا ليتأكد من صدق نفسه، بل ليفهم طبيعة ما نزل به. وهذا السلوك البشري الصادق لا ينسجم مع فرضية الاختلاق أو الوحي النفسي. وكان تلقيه للنص في تلك المرحلة يتسم بالحذر الشديد؛ يحفظ الألفاظ، ويكررها خوفًا من نسيانها، ويتتبعها بجهد ظاهر، حتى جاءه التوجيه الإلهي بالكف عن التعجل، والاطمئنان إلى أن الحفظ مسؤولية إلهية لا بشرية. وهذا يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلقى النص كما يُلقى عليه، لا كما يُنتجه. كما أن الوحي في بداياته لم يأتِ بمنظومة مكتملة، بل نزل متدرجًا، يثبت الفؤاد، ويهيئ النفس لحمل الرسالة، ويصوغ الوعي خطوة خطوة. وهذا التدرج لا يشبه تدفق الأفكار الذاتية، بل يشبه تعليمًا مقصودًا من خارج الذات. ومن هنا يتبين أن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تلقي الوحي كان منهج المتلقي المتعبد، لا المفكر المنشئ، وأن علاقته بالقرآن منذ اللحظة الأولى كانت علاقة استقبال وطاعة، لا صياغة وتوجيه.