يُرى أن أي بحث جاد في مصدر القرآن لا يصح أن يبدأ من الافتراضات الخارجية أو الشبهات المسبقة، بل يجب أن ينطلق أولًا من الدعوى التي يقررها القرآن عن نفسه. فالعدل العلمي يقتضي أن يُستمع إلى النص قبل الحكم عليه، وأن تُحدد دعواه كما يحددها هو، لا كما يفرضها الخصم أو المؤيد. والقرآن يصرح بدعوى واضحة لا لبس فيها وهي: أنه وحي منزل من عند الله، بلغة عربية، أُنزل لهداية البشر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس إلا مبلغًا أمينًا، لا يملك من أمر النص شيئًا. هذه الدعوى تتكرر بصيغ متعددة، وفي سياقات متنوعة، تجمع بين التقرير والتحدي والتوكيد، حتى تصبح جزءًا من نسيج الخطاب القرآني نفسه. ويُبرز إلى أن هذه الدعوى لا تُعرض عرضًا مجردًا، بل تُقترن دائمًا بقرائن تؤيدها؛ كالتحدي بالإتيان بمثله، ونفي قدرة النبي على تغييره أو تبديله، وبيان حاله قبل الوحي، وذكر ظروف نزول الآيات بما يقطع صلتها بالاختلاق. فالدعوى القرآنية لا تطلب تصديقًا أعمى، بل تفتح باب النظر والامتحان. كما أن القرآن لا يكتفي بإثبات مصدره الإلهي، بل ينفي صراحة كل البدائل الممكنة: فلا هو شعر، ولا كهانة، ولا أساطير الأولين، ولا وحي نفسي، ولا تعليم بشري. وهذا الجمع بين الإثبات والنفي يُحكم دائرة الدعوى، ويمنع التهرب إلى تفسيرات وسطية مضطربة. ومن هنا، يُؤكد أن تحديد الدعوى من النص نفسه هو الخطوة الأولى في أي منهج علمي منصف؛ إذ لا يمكن رد دعوى لم تُفهم، ولا مناقشة قضية لم تُحدد حدودها. فالقرآن يُعلن عن نفسه بوضوح، ثم يترك للإنسان حرية النظر في الأدلة التي تؤيد هذا الإعلان أو تنقضه.