في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. في حائل يتجلى التاريخ على صفحات الصخور، ويُلمس في تضاريس الأرض، ويُستعاد في صمت الآثار المنتشرة بين الجبال والسهول والوديان، في موطن الكرام وباحة الكرم تعصف بنا رياح التاريخ كمشاهد لا تنتهي ورسائل بعضها حُكي والكثير منها لم يسرد بعد، ففي حائل سرديات غزيرة فكل قصة تحمل أثر زمنٍ مرّ، وكل نقشٍ محفور على صخرة يروي حكاية إنسانٍ عبر، وتلك بصمته شاهدة على حضوره. حائل فضاء مفتوح لذاكرة طويلة، تمتد من عصور سحيقة حتى بدايات التاريخ الإسلامي، وتتشكل فيها معالم الحضارة في صورة رسوم صخرية، ونقوش، ومستوطنات، ومنشآت مائية، وطرق قديمة عبرتها القوافل. في جبالها تنتشر كتابات قديمة، وفي سهولها بقايا عمرانٍ صمد أمام تقلبات الزمن، وفي وديانها آثار استقرارٍ بشريٍّ يعكس وعي الإنسان بالمكان وقدرته على التكيّف معه.لقد منحت الطبيعة حائل تنوعًا جغرافيًا فريدًا، حيث الجبال حصونًا طبيعية، والوديان مسارات للحياة، والصحراء ميدانًا للحركة والتواصل. ومن هذا التنوع نشأ ثراء أثري يعكس تعدد الأنشطة البشرية؛ من الرعي والزراعة إلى التجارة والحج، ومن الاستيطان المؤقت إلى المدن المستقرة ذات الأسوار والحصون، فهو تعبير عن حضارة تشكلت عبر قرون، واستثمرت مواردها، ونظمت طرقها، وأقامت منشآتها لتخدم الإنسان في بيئة تتطلب فهمًا ووعياً وهندسة. حين نتأمل الخريطة الأثرية لحائل، نجدها متصلة بدروب قديمة حملت الحجاج والتجار، وأسهمت في رسم ملامح التواصل بين أطراف العالم الإسلامي. وفي هذا السياق، تبرز مدن تاريخية شكلت محطات مفصلية على تلك الدروب، وكان لها دور في تنظيم الحركة وتوفير الخدمات وإدارة الموارد. ومن بين هذه المدن تقف فيد، بوصفها إحدى أبرز الشواهد على هذا الثراء التاريخي، مدينةٌ تجسدت فيها معاني الطريق، وتكاملت فيها عناصر الماء والعمران والتحصين، لتصبح صفحة مضيئة في سجل آثار حائل العريقة. فيد التاريخ والعمران تقع مدينة فَيد في الجنوب الشرقي من منطقة حائل، على مسافة 120 كيلومترًا شرق مدينة حائل، ونحو 160 كيلومترًا عن القصيم. هذا الموقع لم يكن مجرد إحداثية جغرافية، بل كان نقطة ارتكاز في قلب الصحراء، جعلت من فيد محطةً مفصلية على طريق الحج العراقي القديم المعروف بدرب زبيدة، الممتد بين العراق ومكة المكرمة. وقد وصفتها كتب المؤرخين بأنها ثالث أهم المدن القديمة بعد الكوفة والبصرة، وهو توصيف يعكس عمق دورها في التاريخ الإسلامي المبكر. انتصف موقعها الطريق بين الكوفة ومكة، فغدت مركزًا تتلاقى عنده القوافل، وتستريح فيه الوفود، وتتزود بالماء والمؤن قبل مواصلة الرحلة. هذه المركزية الجغرافية منحت فيد بعدًا حضاريًا، إذ تحولت من محطة عابرة إلى مدينة متكاملة الأركان، ذات عمران ممتد، وموارد مائية وفيرة، ومراعٍ ساعدت على استقرار الحياة فيها. ومن هنا اكتسبت تسميتها ب«عاصمة الطريق»، حيث اجتمع في اسمها معنى القيادة والموقع والوظيفة. حديث الرحالة حظيت فيد بذكر واسع في المصادر التاريخية. فقد أشار البكري إلى أن أول من حفر فيها في الإسلام أبو الدليم مولى يزيد بن عمر بن هبيرة، فاحتفر العين التي ما زالت قائمة وأساحها وغرس عليها. كما حدد المقدسي وابن رسته والحموي المسافة بينها وبين الأجفر بأنها نصف الطريق، وفيها عين تجري ومنبر وأسواق وبرك وعيون جارية. أما الرحالة المسلمون، فقد وصفها ابن جبير بأنها «حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض يمتد حوله ببطن يطيف به سور عتيق البنيان... وبها آبار تمدها عيون تحت الأرض». وذكر ابن بطوطة معلومات مشابهة، مما يعكس استمرار حضورها في ذاكرة الطريق عبر القرون. كما اهتم بها عدد من الرحالة والباحثين الغربيين، منهم ويليام بالغريف وتشارلز هوبر وموسل، ومن المحدثين ونيت وزميله ريد، الذين وثقوا معالمها الأثرية وجانبًا من تاريخها. صدر الإسلام في فيد ارتبطت فيد بقبيلة طيء كما ارتبطت بغيرها من القبائل العربية العريقة وهنا نعود بالتاريخ إلى صدر الإسلام فقد روى ابن إسحاق قصة قدوم وفد طيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم زيد الخيل، وكيف أسلموا وحسن إسلامهم، فسماه النبي زيد الخير، وقطع له فيدًا وأرضين معها وكتب له بذلك وهذا الارتباط يمنح المدينة بعدًا تاريخيًا وإنسانيًا عميقًا، إذ لم تكن مجرد محطة جغرافية، بل أرضًا ارتبطت بسير الرجال وأحداث التحول الإسلامي المبكر. درب زبيدة اكتسبت فيد شهرة واسعة في العصر الإسلامي لوقوعها على طريق الحج العراقي، فكانت من أهم المدن الإسلامية المبكرة الواقعة في منتصف الطريق بين الكوفة ومكة. ازدهرت خلال العصرين الأموي والعباسي، وتحولت إلى محطة رئيسة للحجاج والمسافرين القادمين من العراق وبلاد فارس، حيث تهيأت فيها مرافق الإقامة والتموين، وتوفرت المياه والبرك، وازدهرت الأسواق. تشير آثارها الباقية إلى مدينة واسعة المساحة، ممتدة العمران، تعكس استقرارًا حضريًا راسخًا في وسط شبه الجزيرة العربية. وقد ذكرها المؤرخون والجغرافيون والرحالة في كتبهم، وأكدوا مكانتها بوصفها محطة رئيسة على الطريق، تضم عينًا جارية، ومنبرًا، وأسواقًا، وبركًا، وعيونًا جارية، وفيها ينزل عامل الطريق. وذكر الطبري أن المدينة كان عليها خندق في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة 145ه، وهو ما يدل على أهمية موقعها وحاجتها إلى التحصين والتنظيم. معالم باقية بقيت المعالم وأبقت وهجها في المكان وها هو القصر المعروف محليًا باسم «قصر خراش» شاهداً لأبرز معالم مدينة فيد التاريخية، حيث شُيّد من الحجارة السوداء المعروفة بحجارة الحرة، وتبلغ أبعاده 120 مترًا × 80 مترًا، ويشتمل على أبراج دائرية ونصف دائرية تقع في منتصف الحصن، ويقدر طول السور الجنوبي للحصن بحوالي 115 مترًا من الشرق إلى الغرب، ويضم ثلاثة أبراج نصف دائرية تدعم السور من الخارج، ويبلغ سمك جدرانه مترين بعمق مترين. كما توجد خمس وحدات معمارية متقنة البناء ملاصقة للسور من الجهة الشمالية في الجزء الغربي، تتكون من حجرتين وفناء ومدخل. وعُثر بالقرب من سور الحصن في الجهة الجنوبية على غرف ومرابط للخيل وسكن للحراس وإقامة للزوار، مما يؤكد دوره الإداري والعسكري في تنظيم المدينة. مدن وسكنى تضم المدينة السكنية أكثر من مئة وحدة معمارية، عبارة عن أساسات مبانٍ يشكل بعضها وحدات متكاملة. كما تظهر منشآت مائية، وبقايا بئر قديمة، وأساسات مبنى ضخم في الطرف الشمالي من الموقع. تنتشر هذه المعالم على الضفة الشمالية من وادي فيد، من المدينة السكنية غربًا إلى الحصن شرقًا. تتركز مساكن الأهالي في الجهة الغربية من المدينة الأثرية، بينما تقع منطقة التلال في الجانب الشمالي من الوادي، وتحتوي على آثار أساسات تمثل بيوتًا ومنازل قديمة، إضافة إلى وحدات معمارية متنوعة، مما يدل على امتداد عمراني واسع ومتدرج عبر الزمن. هندسة من أجل الحياة تميزت فيد بنظام مائي متكامل، إذ تضم ما يقارب 45 بئرًا. ويواصل بئر الحمراء، المعروف أيضًا بالعين الباردة وعين النخل، إمداد الموقع بالماء حتى اليوم، كما توجد بئر الخيمة شمال بئر الحمراء، وكانت تسمى قديمًا بالعين الحارة أو السوق، وبئر الخويمة، وتتصل بعض هذه الآبار بقنوات أرضية ثلاث في قاع البئر، تتجه إحداها نحو بئر الخيمة جنوبًا، والثانية شرقًا، والثالثة نحو الشمال الشرقي. أما برك درب زبيدة، فتقع بالقرب من المدينة، وهي بركتان: إحداهما مربعة والأخرى مستطيلة، تتصلان بقناة سطحية عرضها 40 سم وسمك جدارها 60 سم. وقد استفاد السكان قديمًا من هذه البرك في الري وتوفير المياه لدوابهم. كما توجد برك أخرى مثل بركة الساقية، وبركة لشفاء، وبركة الحويض، إضافة إلى برك خاصة قرب قصر خراش، تشبه برك الدرب في الحجم وتقنية البناء. متاحف شاهدة كشفت أعمال التنقيب عن مكتشفات مهمة، منها أفران لصناعة الخبز، وأحواض للغسيل متصلة بقنوات تحت الأرض، وأعتاب أبواب منحوتة تسهل فتح الأبواب. كما عُثر على كسر فخارية وأوانٍ مزخرفة، وقطع زجاجية، وحجرية ومعدنية. تضمنت المعثورات تنانير من الفخار الأحمر محاطة بمسطبة حجرية، وأنواعًا من الفخار غير المزجج والمزجج المطلي بالأزرق أو الأخضر، والخزف ذو الطلاء القصديري الأبيض، والخزف متعدد الألوان، والخزف الصيني. كما عُثر على قطع من الزجاج بألوان الأبيض والأخضر والأزرق والأسود، وحجر صابوني مزخرف، ومسارج، وأجزاء قدور، وخمس عملات بينها دينار ذهبي وآخر فضي من العصر العباسي، وقطع نحاسية وأدوات لخلط المساحيق، وقطعة عاج على شكل وجه طائر. وفي عام 1430ه/2009م عرض المتحف الأثري لمدينة فيد مراحل اكتشاف المدينة، وضم صورًا ومقتنيات أثرية، وعرضًا مصورًا للقطع المكتشفة، بما في ذلك ما يرتبط بمرور طريق الحج. وتتواصل أعمال التنقيب ورحلة البحث عن جذور التاريخ الممتد إلى 1300 سنة. ختاماً. بهذه الطبقات المتراكمة من التاريخ والعمران والماء والإنسان، تقف فَيد شاهدًا على عصور متعاقبة، وذاكرةً مفتوحةً لدربٍ عبرته القوافل، ومدينةً حملت اسم «عاصمة الطريق» عن جدارة. اعداد : رياض عبدالله الحريري